بقلم: نهيل أبو غيث: عندما يصبح الطبيب جزارًا، فإن حياة البشر ستكون في المسلخ، تُقطع كما يقطع لحم الخرفان، باستهتار ودون اكتراث، أبهين فقط بالمبلغ المدفوع، لا بحياة مقدسة وهبها الله لجسدِ إنسان.
«أنتِ مصابة بسرطان الرئة » لم تحملها قدماها عندما سمعت الخبر، فالآلام في صدرها التي حرمتها النوم، والسعال القوي الذي كاد يخنقها كلما باغتها، كان سرطانًا في الرئة.
عادت إلى بيتها تحاول لملمة دموعها وحزنها في جفون عينيها، كي لا يلاحظها أطفالها، وبدأت هواجس الموت تراودها، تارة تنظر لطفلها ابن الثلاثة أعوام، الذي ستتركه يتيمًا، وهو ما زال في بداية حياته، بحاجة إلى من يعتمد عليه كي يتسلق سلم الحياة، وتارة تنظر إلى ابنتها ذات السبعة عشر عامًا، وتقتلها العَبرة حين يأخذها فكرها إلى أنها ستحرم من أن تكون أمًّا وزوجة، فهي ستضحي بسعادتها للاهتمام بإخوتها الصغار.
وهي على رصيف أفكارها المتزاحمة، ما زالت ترقب نتائج الفحوصات التي أجرتها بعد تشخيص الطبيب، على أمل أن يكون المرض في بدايته ولم ينتشر بعد.
***
هو شاب جامعي في مقتبل العمر، شعر بثقل في صدره وضيق في تنفسه، فسارع والده الذي لم يفرح بشباب ابنه بعد، وأخذه للطبيب، ويا لصدمة الأب الذي اغرورقت عيناه بالدموع، عندما أخبره الطبيب أن ولده يعاني مشاكل في القلب ووضعه حرج، ويجب أن بيتعد عن كل ما يثير غضبه وحزنه، فوصف له أدوية مهدئة للأعصاب وأخرى منومة.
***
ضحيتان والطبيب المشخص واحد، الأولى لم تكن سوى «لفحة هوا »، وصاحَبَتها بعد التشخيص الخاطئ «لفحة نفسية » كادت تودي بحياتها. والشاب أيضًا كان يعاني من «لفحة هوا » جعلت تنفسه ثقيلاً، ولكنه أصيب ب «لفحة أدوية » أفقدته الوعي لأيام، وكذلك الشعور بالحياة. هم ضحايا أطباء يشخصون دون انتظار
الفحوصات المخبرية. يشخصون ويتفوهون بتشخيصهم دون مراعاة لحالة المريض النفسية.
هم أطباء أنستهم ثقتهم بأنفسهم أصول الطب والمهنة، وأن ما بين أيديهم روح لجأت إليهم طالبة العون والعلاج، لا الموت الزُؤام.
***
كانت في بداية حملها بطفلها الأول عندما بدأت تتابعها الطبيبة المختصة ووصفت لها دواء على أنه فيتامينات مقوية، ولحسن حظها أن والد زوجها لديه خبرة في الأدوية نتيجة عمله في السابق كممرض، فصعق عندما رأى الدواء الذي يُوصف لمن تريد الإجهاض، فسارعت وزوجها وذهبا لطبيب آخر، فأخبرهما بما أخبرهما به والد الزوج.
***
وتلك حائرة بين آلام غريبة باغتتها، وهواجس أن يكون سرطان الثدي، فسارعت للطبيب فطمأنها وأخبرها أنه لا شيء يدعو للقلق، فحالتها لم تتجاوز قنوات حليب مغلقة والتهابات طبيعية، لأكثر من سنتين وهي تغدو ذهابًا وإيابًا دون نتيجة تُرجى، وفي كل مرة، يغيّر الطبيب الدواء. سنتان وهي تعاني السرطان دون علمها، ودون ملاحظة طبيبها، الذي لو علم بمرضها -الذي بات يعرف تشخيصه أي طبيب مهما كان تخصصه- لتداركت أمر الاستئصال وفقدان جزء من جسدها.
***
في الحالات جميعها، الضحية إنسان بسيط باغته المرض، احتاج طبيبًا يشخص مرضه ويخفف عنه ألمه، فوقع في فخ من لا علم له ولا ضمير أحيانًا، ومن يساند الألم لا من يقضي عليه.
