حول ظاهرة ترامب
تاريخ النشر : 2016-11-08 10:08

%40 من الفلسطينيين أيدوا انتخاب هيلاري كلينتون و17.7% ايدوا انتخاب ترامب، بينما امتنع 42.3% عن قول رأيهم. كانت تلك نتيجة الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني لاستطلاعات الرأي. الذين يؤيدون انتخاب كلينتون لا يعولون كثيرا على تغيير السياسة الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقط 4.2% عولوا على تغيير كبير مقابل أكثرية توقعوا تغييرا بسيطا. الاستطلاع وحالة المزاج العام الفلسطيني والعربي وحتى في أماكن أخرى كإفريقيا لم يعولوا على تغيير يذكر في السياسة الأميركية لأقوى دولة في العالم، وقد ضعف الاهتمام بنتائج الانتخابات وما بعدها وما قبلها. فيما مضى كان الرأي العالم لا يصدق لغة المصالح باعتبارها العنصر الحاسم في تقرير السياسات بسبب الدعاية الإعلامية والخطابات السياسية التي تترافق مع الحملات الانتخابية.
 الآن وتحديداً بعد تجربة الرئيس أوباما ومواقفه المحددة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومن الصراع في سورية وعلى سورية والموقف من العراق ومن إيران ودورها الإقليمي، لا مكان للتعويل والاعتماد على تغيير ستأتي به الإدارة الجديدة بعيدا عن لغة المصالح. والمصالح والضغط عليها لها مستويات، فهناك فارق بين مصالح شعوب ومصالح أنظمة ومصالح دول تتضمن مصالح الشعوب والأنظمة معا. نحن ننتمي في لغة المصالح الى مصالح الأنظمة المنفصلة عن مصالح الشعوب التي لا يُسمح لها أيضا الضغط من أجل تلبية مصالحها في غياب الديمقراطية. ثمن القواعد والتحكم بسعر النفط وحركة الأسواق كمصالح أميركية يجري مقايضته والتبادل فيه لمصلحة الأنظمة المنعزلة عن مصلحة الشعوب. رغم ذلك فإن معظم الأنظمة العربية، كما الشعوب العربية تنحاز للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، الجالية الإسلامية العربية بنسبة 72% تؤيد كلينتون، أوروبا بدورها تنحاز لكلينتون. لكن روسيا بوتين تدعم ترامب. 
أول انتخابات رئاسية أميركية غريبة من نوعها، وهي تُحدث هذا النوع من الجلبة والاستقطاب والتوتر والتدخلات الخارجية والداخلية غير المألوفة. أول انتخابات تقدم نماذج من الفضائح الشخصية وتكشف انحطاطا أخلاقيا، وتتضمن شتائم وتهديدا ووعيدا. فقد صرح ترامب اكثر من مرة بأنه لن يعترف بنتائج الانتخابات إذا لم يفز بها، وساوى بين فشله في الانتخابات وبين تزوير الانتخابات – في حالة فشله - علما ان استطلاعات الرأي كانت تعطي أفضلية لكلينتون بنسبة 11%. كما هدد ترامب باللجوء الى وسائل أخرى في حالة الفشل. ووعد جمهوره بتأسيس حزب جديد ثالث في حالة فشله وكان بهذا يهدد الحزب الجمهوري الذي يخوض الانتخابات تحت لافتته. حتى الـ ( إف .بي. آي) مكتب التحقيقات الفدرالي دخل على خط المواجهة عندما اتخذ قرارا بفتح تحقيق جنائي في قضية البريد الالكتروني للمرشحة كلينتون والذي شمل معلومات سرية، ما أدى الى تراجع شعبيتها وتفوقها بمستوى جعلها متقاربة مع ترامب. لكن الـ ( إف بي آي) عَدَّلَ موقفه أخيراً بالقول: «لا مبرر لاتهام كلينتون جنائيا بسبب الرسائل وأوصى بعدم ملاحقتها»، ما قد يزيد فرص فوزها. وفي تطور غير مألوف ايضا اتهمت الولايات المتحدة روسيا بقرصنة رسائل بريد إلكتروني وتسريبها بهدف التأثير على نتائج الانتخابات لمصلحة ترامب، وكان ترامب قد اعلن في دعايته الانتخابية أنه سيسحب اهتمام الولايات المتحدة من أماكن عديدة في العالم» وهذا ما يسمح لروسيا بملأ الفراغ. 
ظاهرة ترامب مثيرة في كل جوانبها، وقد وضعت الولايات المتحدة التي أفرزت هذه الظاهرة في مركز الاهتمام والمتابعة في انحاء العالم، فالمرشح ترامب قدم خطابا معاديا للمسلمين والسود والمرأة واللاتينيين وسائر الأقليات وتوعد 10 ملايين مكسيكي بالابعاد. وقدم منظومة من القيم المتجانسة كالعنصرية، والعداء للاجئين، واستباحة النساء، والتهرب الضريبي والتحايل على القوانين، وتأييد الدكتاتوريات، ورفض التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية، ورفض النظام الضريبي، فضلا عن تهديده للديمقراطية المعمول بها في أميركا بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات إذا ما فشل فيها. الظاهرة التي استقطبت الكثير من الأميركيين والتي لا تستبعد حمل ترامب الى البيت الأبيض، هي أشبه بصعود الفاشية من زوايا عديدة ككاريزما القائد المندفع والخطاب الشعبوي التحريضي العدائي الذي يستثير المخاوف والغرائز، ولا يقدم حلولا للازمات غير صعوده للحكم، والاعجاب بديكتاتوريين باعتبارهم فرسان المرحلة. ظاهرة ترامب تشكل تهديدا للولايات المتحدة ويمكن لها ان تنتشر بل إنها موجودة في فرنسا بزعامة ماري لوبان وفي ايطاليا ممثلة ببرلسكوني وفي استراليا بجون هوارد وفي الفلبين برودريغو دويتري وفي العديد من البلدان. هذه الظاهرة لم تأت من فراغ، بل لها أسبابها داخل المجتمع والنخب في الولايات المتحدة وفي بلدان النيو ليبرالية. هي امتداد للتوحش الاقتصادي والأزمة الشديدة وهيمنة الاحتكارات وتركز الرأسمال في قبضة صغيرة من السوبر رأسماليين. وهي امتداد للازمة الاقتصادية التي عصفت بالطبقة الوسطى الأميركية وأخذت في طريقها المهمشين وشرائح شعبية واسعة، والتي ولدت أزمة ثقة وخوف الكثيرين من أن تطالهم الأزمة. فوجدوا ضالتهم في ترامب الذي عزز مخاوفهم بمعاداته للمهاجرين الذين سيأتون بالإرهاب وبالمخدرات الى داخل أميركا بحسب تصوره. لقد استقطب ترامب الفئات المتعصبة والمحافظة والمهددة فضلا عن أجنحة من المؤسسة العسكرية وشركات صناعة الأسلحة، واستقطب الحاقدين على الحكومة التي فاقمت أزماتهم ولم تقدم لهم طوق النجاة. ان حالة الاستقطاب الراهنة التي جعلت من الملياردير ترامب أحد صانعي الأزمة والفقر والبطالة عبر امبراطوريته الاقتصادية منقذا وبطلا يعكس تفاقم الأزمة الاقتصادية أولا، ويؤكد عجز الحزب الديمقراطي الحاكم في إيجاد الحلول على الأرض وفي البرنامج الانتخابي. فقد تبين أن تخفيض البطالة الى 5% لا يشمل الشبان السود الذين يعانون من ارتفاع نسبة البطالة في صفوفهم بنسبة أضعاف هذا الرقم. كما ان حملة كلينتون ركزت على فضائح ترامب اكثر من تركيزها على تقديم عناصر ثقة للأميركيين. صحيفة الفيغارو الفرنسية تقول بان الولايات المتحدة «تعيش أزمة وجودية تؤذن بنهاية عهد سيطرتها على النظام العالمي بلا منازع». وحقيقة الامر فإن هزة تصيب ما يسمى أكبر الديمقراطيات في العالم، وزعيمة ما يسمى العالم الحر، والقطب المسيطر على النظام الدولي، هزة لا يحمد عقباها إذا ما تبوأ ترامب سدة الرئاسة. 
بقي القول أن ظاهرة ترامب لا تنتهي بفشله في الانتخابات- إذا ما فشل – بل ستبقى تتفاعل داخل الولايات المتحدة لطالما بقيت أسبابها. وفي المستوى الرمزي فإن تبوء هيلاري كلينتون كرسي الرئاسة في البيت الأبيض يكتسب أهمية استثنائية وتاريخية ولا يخلو من مغزى. 
[email protected]