غزة-نوى:
تمرّ الذكرى 99 على وعد بلفور والقضية الفلسطينية تشهد انتكاسة لا تختلف عن حالة التيه التي شابت الوضع الفلسطيني عقب النكبة مباشرة، بينما تستمر مطالبة بريطانيا بالاعتذار عن ذلك الوعد الذي ضيّع فلسطين.
وعد بلفور هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشليد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وهو الوعد الذي وصفته كتب التاريخ بأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق، وحين صدر الوعد كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان، وقد أرسلت الرسالة قبل شهر من احتلال الجيش البريطاني فلسطين.
في مقابلة مع نوى أكد د.صلاح عبد العاطي، مدير مكتب مسارات في غزة؛ ضرورة مواصلة مطالبة بريطانيا بالاعتذار، وتحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية والإنسانية، فالقانونية تقوم على تعويض المواطنين عما لحق بهم من أضرار والتراجع عن الخطأ التاريخي على الأقل بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني التي كفلتها القوانين الدولية.
وأضاف أن نشطاء في بريطانيا يعملون حاليًا على جمع مائة ألف توقيع من أجل مطالبة البرلمان البريطاني بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
حول الوضع الراهن يرى عبد العاطي أن بعد تقسيم سايكس بيكو وبلفور هناك من يريد تقسيم المقسم وتجزئة المجزّأ وهذا ما يتم التعبير عنه بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تهدف من خلاله الولايات المتحدة إلى إنشاء دويلات طائفية وعرقية وفتح صراعات داخل المنطقة من أجل قبول إسرائيل باعتبارها القوة المستفيدة من حالة التقسيم.
أما فلسطينياً فنحن منقسمون على ذاتنا، فالقطاع منفصل عن الضفة، والضفة منفصلة عن القدس، بالتالي تحويل الفلسطينيين إلى تجمعات سكانية يتم التعامل مع كل منها بمنطق مغاير عن الآخر، بقصد دفعنا إلى مشاريع جزئية وليس مشاريع تعيد بناء الكيانية الفلسطينية.
وقال عبد العاطي أن بناء الكيانية الفلسطينية يتطلب الانتباه الحقيقي والتقييم الجدّي من القيادات الفلسطينية إلا أن هذا الأمر غير متحقق بفعل حالة الانقسام السياسي، فنحن في خطر والقوى السياسية تدرك ذلك لكنها عاجزة عن إنهاء الانقسام.
أما الباحث السياسي طلال أبو ركبة فيؤكد إننا نمر بأسوأ مرحلة بعد بلفور لأسباب لا تتعلق فقط بالمؤامرة الكونية على القضية الفلسطينية بقدر ما تتعلق أيضًا بالإداء الفلسطيني المتشرذم والاستقواء بالخارج على الداخل الفلسطيني.
وتابع:"البوصلة الفلسطينية تائهة وهناك حالة تشرذم وانقسام في الأفكار والأهداف والبرامج وأسوأ ما عاشته القضية الفلسطينية هو المرحلة الحالية التي تذكّرنا دومًا بالتيه الفلسطيني الذي أعقب النكبة عام 1948 وامتد حتى 1968م".
حسب أبو ركبة نحن بحاجة إلى إعادة تعريف للكيانية الفلسطينية وهذا يتطلب وضع استراتيجية فلسطينية موحدة تلتقي عليها جميع الأطراف على اختلاف الرؤى، محذّرًا من أننا إذا بقينا على هذا الحال من الانقسام والانزياح تجاه توازنات إقليمية في المنطقة؛ فالقضية الفلسطينية ستُصاب بمقتل خلال السنوات القادمة وهذا سيصادر حق الكثير من الأجيال القادمة.
ولا يرى أبو ركبة جدوى من مطالبة بريطانيا بالاعتذار الذي لم يأتي بنتائج، لكن علينا مطالبة الذات الفلسطينية بالانحياز لهدف المواطن الفلسطيني، بمعنى أن يكون بوصلته نحو الاتجاه الفلسطيني، فعوامل القوة في الحالة الفلسطينية تضعف بسبب الانقسام، وعلينا أن نعيد الاعتبار للقضية لتكون هي الأمان لنا جميعًا.
وقال أننا إذا نجحنا في انتزاع الحقوق من خلال مقومات القوة التي تتجسد في وحدتنا وتبنينا لاستراتيجية فلسطينية نستطيع من خلالها إزعاج الاحتلال؛ بالتالي وضع العالم أمام حقيقة ما مارسه ضد الشعب الفلسطيني، فهذا سيضع بريطانيا أمام مسؤولياتها وسيأتي من خلال المستقبل القريب بنتائج إيجابية.
ورجّح أبو ركبة أن بريطانيا لن تعتذر فهي تعتقد أنها عالجت قضية الأقلية اليهودية على مستوى العالم وهناك جدل كبير في كل الأروقة العالمية حول ذلك، إلا أن المطلوب الآن وعد فلسطيني حقيقي يعيد الاعتبار لعقد اجتماعي فلسطيني يكون على أساس إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وإزالة أسباب الانقسام ويوحّد الكل الفلسطيني.
