اكثر المواضيع احراجاً للكتابة عنها هو القضاء و حكم القانون كونه الناظم لحركة المجتمع و صمام امن الوطن و المواطن في حقوقه المالية و حريته الشخصية لقد كان لي مقال منذ مدة بعنوان ” بأي ادوات قانونية يحكم الرئيس ” حينما جرى التوسع في اعتقال البعض على ذمة الرئيس ثم كان لي مقال منذ مدة قريبة عنوانه ” لا تحشروا القانون في حذاء السياسة ” .
و هنا اتطرق مباشرة الى اللغط الفضيحة بخصوص تسريح رئيس مجلس القضاء الاعلى الاستاذ سامي صرصور و بالتأكيد اتفق مع الكثيرين ممن كتبوا و علقوا بان هذا تغول على السلطة القضائية نعم و الف نعم هذا تغول ولكن تسلسل الامور في هذا الموضوع يوجب القول ان نبدأ بان ما كان للسيد سامي صرصور ان يودع استقالة مجهلة التاريخ لتوضع في درج الرئيس سلفاً تحت الطلب كشرط مقابل صدور مرسوم بتعيينه ؟؟!
ان التطلع لهذا الموقع بهذه الطريقة هو اهدار للقانون و سلطة القضاء مقدماً فمن يقبل بهذه المعادلة يعلم أن عليه أن يضرب بسيف السلطان و ليس بسيف القانون و العدل و هنا ضرب السيد سامي صرصور بسيف السلطان مقدماً حين قبل تبرير أجهزة الامن له ان هذا اجراء شكلي روتيني و هو صاحب تجربة و خبرة كما عرفته حينما كنت وزيراً للعدل فالمغالطة هنا غير مقبولة في هذا المنصب تحديداً كونه أعلى منصب قضائي فكيف يقبل ان يضع عنقه في حبل لا يحتاج من الرئيس الا الى شدة بسيطة ليشنق نفسه معنوياً و وظيفياً و الرئيس مجرب في هذا الشأن .
لذا اقول ان السيد سامي قد سرح تسريحاً بدون احسان و ليس اقالة او استقالة انما هو اعمال لشرط مسبق بينه و بين الرئيس و انصافاً للحقيقة لا يملك الرئيس هذا الحق بالاشتراط سلفاً على حصوله على استقالة اي موظف او وزير او قاضي لان هذا يقع في مجال الابتزاز لمن لديهم الطموح دون هيبة الموقع و انعدام قدرة الصمود و المبدأ في مواجهة الرئيس و اعود لاقول ان المعالجة كانت فجة و غير مستصاغة و اعرج هنا على مواقف سابقة حصلت مع الرئيس المرحوم ياسر عرفات و كانت اكثر خطورة و حساسية وقعت مع قاضي القضاة في اوائل السلطة ولكن المعالجة المتروية بمنتهى الحكمة فوتت اللغط و التهريج الحالي و اذكر من موقعي انذاك ان الرئيس ابو عمار تفاجىء بقرار من السيد قاضي القضاة بعزل القاضيات من مراكزهن و اعتبار ان المرأة لا تولى القضاء و تحويلهم الى وظائف ادارية تلحق بمكتب وزير العدل و قد استدعى الرئيس المرحوم قاضي القضاة بحضوري و كان الاستياء ظاهراً على وجهه و باشر بالسؤال لقاضي القضاة : لماذا قال الرسول محمد صلى الله عليه و سلم خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء و يقصد السيدة عائشة رضي الله عنها ثم استطرد موضحاً ذلك لعلمها و ادراكها و فهمها للامور لذا عليك الغاء القرار فوراً و هكذا كان .
و كان ذلك يخص القاضية سعادة دجاني و سلوى الصايغ .
ثم كانت الواقعة الثانية حين وقع قاضي القضاة على مذكرة موجهة للادارة الامريكية مكتوبة باللغة الانجليزية التي يجهلها بخصوص ابوالوليد العراقي المسجون انذاك في امريكا و محكوم لمدة ثلاثون عاماً وهي مذكرة شديدة الخطورة حيث ورد فيها أن السيد قاضي القضاة كان يحتل موقعاً هاماً في منظمة التحرير و مطلع على كل الأمور فيها (وهذا غير صحيح )
و بهذه الصفة يقر أن الامر الصادر للمناضل أبوالوليد هو امر مباشر و بتعليمات محددة من الرئيس ياسر عرفات وبتمويل منه و تفاصيل اخرى .
و اسقط في يد الرئيس ان الرسالة ذات بعد سياسي خطير و تجاوز لصلاحيات قاضي القضاة و استدعيت على عجل لأن الرئيس كان يريد اقالته و كان هذا من حقه لان لم يكن قد صدر قانون استقلال القضاء فطلبت من الرئيس ان نستشير السيد ابو الاديب و هو قانوني قديم و رئيس المجلس الوطني وبعد حضوره و التشاور استقر الامر على ان يتولى السيد رئيس ديوان الموظفين عبدالعزيز ابو شريعة اعمال قانون التقاعد حيث لم يتبقى لقاضي القضاة الا مدة بسيطة و كان سن التقاعد وقتها ستون عاماً فقط ولم يكن قد صدر قانون استقلال القضاء الذي يرفع سن التقاعد للقضاة لسبعون عاماً و هكذا مرت الازمة مع انها تركت اثاراً عدة لا مجال للحديث عنها .
لم اكن اود ان اشير الى ما سبق الا ان تفاعل الامور الحالية يلزمنا ان نقول ليس هكذا تورد الابل و حتى لا يصبح مصطلح القضاء و القدر بديلاً عن سيادة القانون و للحديث بقية عن احوال الناس و الوطن مع القضاء في شطري الوطن .
والله من وراء القصد
محامي ووزير عدل فلسطيني سابق
