ماذا توقع الغزيون من نهى وعبد الإله ورامي ؟
تاريخ النشر : 2016-10-31 13:41

غزة - نور السويركي

لا شيء يوحد الغزيين هذه الأيام، سوى صوت استنكارهم واستهجانهم لفعل ما، زوابع كثيرة كلها تمضى، وتعود الحياة كما كانت، ساكنة، حتى تأتي زوبعة أخرى تحرك السكون ثم يعود، منذ يومين حالة من السخط تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي، على إثر منشورات الفتاة الغزية (نهى أبو عمرو)، وكان قد سبقها احتجاجات عدة، على مواقف لها خلال الشهرين الماضيين، ما حدث مع (نهى) أعاد إلى ذهني موجة الاستنكار والقدح التي تعرض لها (عبد الإله قشطة) و(رامي حمد) وغيرهم من الشباب الغزيين، بعد إعلان أخبار مقتلهم في صفوف داعش، في أماكن متفرقة، في معارك التحرر المزعومة خلال العام الحالي.

"لا مجال للمقارنة"، سيقول أحدهم دون أن يكمل القراءة، يا عزيزي إن هذا هو جوهر المقارنة، فهُم وغيرهم جمعتهم مأساة غزة، عندما سُحقت كل منافذ الحياة لشبابها خلال 11 عاماً من الحصار المستمر، ليس حصاراً غذائياً، وإنما فكريٌ من الدرجة الأولى، هذه السنوات قضت على فرص الشباب للتواصل مع العالم، لأن يتحروا فكراً غير المفروض عليهم، وللعلم فالموجود في غزة هو من الأردأ، فالخيارات محدودة جداً، وزهور العمر تذبل في هذا المكان بينما الفرص شبه معدومة.

إن مافعله (عبد الإله) و(رامي) سابقاً هو ذاته ما فعلته (نهى)، ولكن بوجهين لعملة واحدة وهي (التطرف)، نعم إنه التطرف في اقتناص الفرص، مادفع الشابين وغيرهم للقتال في صفوف داعش هو بحثهم عن مكان يحتوي طاقاتهم، ويعتز بقدراتهم، حتى وإن كانت طاقات عدائية نحو العالم، ومادفع نهي وغيرها لهذا التمجيد والتعظيم لتجربتها، والانسلاخ عن معاناة أهلها في غزة، هو رغبتها في الحصول على فرصة خارج هذا السجن الكبير، فغزة لم تقدم لهم جميلاً حتى يردوا الجميل!، جميعهم تطرفوا في مواقفهم للوصول إلى مكانة ما، بغض النظر عن نوعها ومدى جودتها، وأنا لا أدافع عنهم أو أهاجمهم، ولكن لأبلغكم أن نسخاً منهم ستتكرر مستقبلاً، مادام الحصار مستمراً، وحرية الحركة والسفر منتهكةً إلى هذا الحد.

جميعنا لاحظ عدد الشباب الخارجين من غزة نحو الحياة، عبر معبر رفح، خلال الأسبوعين المنصرمين، كلنا فقد من اصدقاءه، وأهله، فرداً على الأقل خلال هذا الخروج، ولكن ماذا حدث لهؤلاء الشباب؟، هل تابع تحركاتهم وخطواتهم أحد؟، بدلاً من أن نحسدهم على حريتهم المرتبكة، إن كثيراً منهم يتخبطون، وبخاصة أولئك الذين لم يخرجوا لهدف واضح كالدراسة أوالزواج مثلاً، إنهم يعانون من تلك الصدمة الثقافية لوحدهم، بعضهم تطرف إلى أقصى يمين الحريات الممنوعة هنا في غزة، وبعضهم تطرف إلى أقصى يسار الكراهية التي يُعد هذا القطاع مرتعاً لها، في ظل الفقر، والبطالة، وانعدام الفرص، والحرمان من الحقوق الإنسانية والصراع الدائر على السلطة، عبر ايدلوجيات علمانية ودينية متناقضة لا تُشرك الشباب في فهمها أو تطويرها، بل تتركهم تائهين في البحث عن حياة ليست هنا.

بالمُجمل كلنا مشاريع تطرف، صدقوني كلنا، لم نعد "مشاريع شهادة" دفاعاً عن وطننا المسلوب، بل أصبحنا مشاريع تطرف، للبحث عن فرصة نجاة، خارج غزة، التي سحقتنا مرراً وتكرراً عبر سنوات مضت، الشباب ينزف قهراً، لا أحد يسمع صوته أو يقرر التفكير معه بحثاً عن حل، وقد أصبح الخلاص الفردي هو المشروع الأنجح، لم يعد للجمع قيمة في بلد لا تعترف بمعاناة الغالبية العظمي من تعدادها، وتُبقي على مصالح الأقلية السياسية فيها، لا تلوموا أحداً على بشاعة فعله أو موقفه وتصمتوا، بل وجهوا رسائلكم لأولى الأمر من قيادة القهر اليومي لنا، واسألوهم إلى متى ستستمرون في سحق أحلامنا بخلافاتكم والتي إن حُلت سيُفك حصارنا بالتأكيد، فالسياسية هي ذات الأداة التي تسحقنا أو تنجينا.