غزة-نوى-شيرين خليفة:
تضطر المواطنة رجاء أبو عيسى "27 عامًا" لنقل ابنها عبد الله "6 أعوام" يوميًا سيرًا على الأقدام لأكثر من 20 دقيقة إلى المدرسة الابتدائية الوحيدة في قرية جحر الديك المهمشة أقصى جنوب شرق مدينة غزة.
تقول رجاء :"مع افتقار القرية للمواصلات نضطر يوميًا لتوصيل أطفالنا بأنفسنا، مشاكل القرية كثيرة أبرزها عدم وجود مواصلات فنمشي ما يقارب 2 كيلو متر للوصول إلى طريق نتساريم جنوب مدينة غزة لننتقل إلى باقي المناطق".
مشاكل بالجملة
تقع قرية جحر الديك في منتصف المسافة بين مدينة غزة والمحافظة الوسطى؛ على خط التماس مع الاحتلال فهي منطقة حدودية مساحتها 6200 دونمًا، تشتهر بزراعة الزيتون والحمضيات والخضراوات، وهي منطقة قليلة العمران، ومحدودة الخدمات لدرجة عدم وجود مركز صحي مما جعل معاناة المواطنين في هذه القرية المهمشة تتفاقم.
غير أن مشاكل القرية النائية لا تقف عند هذا الحد؛ فعلاوة على شوارعها الترابية الوعرة التي ترهق الناس، هناك أيضًا مكب النفايات التابع لبلدية غزة الواقع بجوار القرية، تقول أبو عيسى:" تتعرض النفايات للحرق ومع اتجاه الريح يغطي الدخان جزءًا كبيرًا من القرية، عمي –والد زوجها - مصاب بمرض في القلب ويعاني بشدّة بسبب الدخان الذي يصلنا من مكب النفايات".
تشاركها الرأي المواطنة أم نهاد أبو غنيم وتقول:" لا يوجد سوق فنضطر للتسوق خارج القرية وهذا يعني السير لمسافة 2 كيلو متر في طرق القرية الترابية وصولًا إلى طريق نتساريم حتى نصل أقرب الأسواق في مخيم البريج، كما لا يوجد محلات تجارية سوى دكانتان للقرية كلها".
"الزواج المبكر للجنسين أيضًا منتشر"؛ هذا ما أكدته الناشطة آمال أبو عيسى التي شرحت ما تعانيه القرية في ظل نقص الخدمات لتجمل أبرز هذه المشاكل بأنها عدم وجود مواصلات، وكذلك وجود مدرستين فقط أدى إلى انخفاض مستوى التعليم لصالح الزواج المبكر.
وقالت أن القرية تعاني بطء الإعمار وعدم وجود شبكة صرف صحي وحرق النفايات الذي يحدث يوميًا بسبب قرب مكب نفايات بلدية غزة، والوضع النفسي السيء للمواطنين وتحديدًا للنساء نظرًا لتعرض الناس لإطلاق النار بشكل مستمر من قبل الاحتلال.
واقع أكدته المواطنة أم صامد السواركة التي ما زالت تسكن في خيمة من البطانيات داخل أرضها، تقول السيدة الخمسينية: "نعم نعاني هنا وضعًا نفسيًا سيئًا بسبب سماع صوت إطلاق النار بشكل مستمر".
تشرح أم صامد مشكلتها مع الإعمار بقولها :"زوجي متزوج من سيدة غيري، وعندما تم هدم البيت منحته الوكالة إيجار بيت واحد، فاضطررت للسكن في خيمة إلى أن يتم إعمار البيت".
ابنة أم صامد تزوجت قبل عام بعمر 16 عامًا، وتقرّ بأنها صغيرة ولكن تبرر :"جاءها نصيبها، طلبها ابن عمها ووافق والدها وهي أيضًا وافقت"، وتكمل بأن الكثير من البنات يتزوجن في هذا العمر والأمر ليس غريبًا.
بيت أم صامد
الجمعية الوحيدة
"جمعية الآمال"؛ هي المؤسسة الأهلية الوحيدة التي تخدم القرية من خلال مشاريع تنفذها بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين، ورغم إمكانياتها المتواضعة لكنها قدمت العديد من ورشات التوعية وخاصة للنساء، لكنها تعرضت للتدمير الكامل في العدوان الإسرائيلي عام 2014، فاضطرت رئيستها أمل أبو عيسى إلى توفير خيام واستبدال غرف المكاتب بغرف مصنوعة من سعف النخيل، ومنها تمارس أنشطتها.
في مقابلة مع أبو عيسى أكدت أن الجمعية تنشط في تقديم المشاريع المتنوعة للمنطقة، وأنها كانت تستضيفها في الطابق الأول لبيتها، إلا أن قصف المنزل المكوّن من ثلاث طوابق خلال العدوان أدى إلى تدمير كل أثاث الجمعية.
آمال أبو عيسى رئيسة جمعية الآمال
تضيف :"بعد الهدم سكنت أنا في بيت صفيح مقابل ركام بيتي؛ وفي أرض حكومية هنا شيّدت ثلاثة خيام وغرفتين من سعف النخيل لممارسة الأنشطة، كلنا نعمل في الجمعية متطوعين ويهمنا خدمة القرية".
رغم عدم وجود مقر لها إلا أن الآمال تنفذ حاليًا ثلاثة مشاريع مهمة، الأول مركز العائلة بالتعاون مع مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي وهو عبارة عن جلسات تفريغ نفسي وتنشيط للأطفال ولقاءات للنساء، والثاني مشروع للصحة الإنجابية والجنسية بالتعاون مع جمعية عايشة، والثالث لعمل شفط للحفر التي تعتمدها القرية بسبب عدم وجود شبكة صرف صحي، وتوفير خزانات مياه للمواطنين وفلاتر لرش الباعوض بالتعاون مع مؤسسة JVC الإيطالية.
آمال أبو عيسى سيدة عصامية كانت مرشحة إحدى القوائم للانتخابات البلدية التي تم إلغاؤها، السير معها في شوارع القرية الترابية لا يعني فقط أن نجرّب صعوبة السير في الحر بل أيضًا أن يلقي عشرات المواطنين التحية عليها باعتبارها شخصية محورية في القرية.
تقول أبو عيسى: "النجاح بالنسبة لي هو حب الناس وثقتهم بي، وهذا كله لا يأتي إلا بالإخلاص في العمل والجهد المستمر، فأنا أعمل متطوعة في الجمعية منذ أسستها عام 2000، وأصرّ على حمل هموم الناس".
منطقتنا نائية
في مقابلة مع م. عبد الرحيم حتحت مهندس بلدية وادي غزة –بلدية جحر الديك- أكد أن مشاكل القرية كثيرة ومتعددة، فهي منطقة ريفية نائية تتعرض بشكل دائم للاعتداءات الإسرائيلية التي خلّفت دمارًا هائلًا في البنية التحتية والمباني لتضيف إلى مشاكل القرية الموجودة أصلًا أعباء إضافية.
فالقرية التي يقطنها نحو 5000 نسمة تفتقر لوجود موقف سيارات اعتيادي والذكور يضطرون للدراسة في المناطق المجاورة مثل البريج والنصيرات كما يؤكد حتحت الذي يضيف أن الاحتلال دمّر عيادتها الوحيدة في عدوان عام 2014 وحاليًا تم بناء مستوصف لم يتم تسليمه بعد.
يكمل بأن القرية تفتقر كذلك لوجود سوق او محلات تجارية نتيجة ضعف القوة الشرائية في المنطقة ما يعني اضطرار الناس للذهاب خارج القرية لتوفير احتياجاتهم، كما أن القرية بأكملها لا يخدمها سوى روضة أطفال واحدة، والأصل ألا يضطر الطفل للسير أكثر من 400 متر، فالقرية على الأقل تحتاج ثلاث روضات إضافية.
بخصوص الطرقات غير المرصوفة داخل القرية قال حتحت أن الأولوية للطريق الرئيسية وتم رصفها، ولكن هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل إلا أن الطرق على سلّم أولويات البلدية، وبالنسبة لمكب النفايات فكما أكد تم مخاطبة بلدية غزة الذين أكدوا أنهم سيعملون على إيجاد حل، أما شبكة الصرف الصحفي فيؤكد أنه يتم العمل حاليًا على تمديد شبكة للصرف الصحي.
لكن هذا الكم الهائل من نقص الخدمات يؤكد أن مشاكل منطقة جحر الديك اكبر من أن تتحملها البلدية وحدها، او حتى مؤسسة اجتماعية مهما بلغ نشاطها، إنها على الأقل بحاجة إلى خطة تطويرية شاملة بإشراف حكومي وبالتنسيق مع المجتمع المحلي من أجل إنقاذ المستقبل.
المدرسة الحكومية الوحيدة في القرية
كرفانات يسكنها الناس نتيجة تأخر الإعمار
شوارع القرية غير المرصوفة
جانب من بيت ام صامد

جمعية الآمال الت يتعرضت للتدمير

أحد الأنشطة التي يتم تنفيذها في جمعية الآمال (خيمة)

نشاط ترفيهي للنساء

جلسة تثقيفية للنساء

في مثل هذه الخيام يعيش الكثير ممن تدمرت منازلهم وفيها أيضًا مقر جمعية الآمال
خيام تابعة لجمعية الآمال
مكتب الإدارة لجمعية الآمال بعد قصف المقر تحوّل إلى غرفة من سعف النخيل
