لا اُحب هذه المدينة لجمالها، فجلسةٌ في تلّة البيازين في غرناطة أو عند جامع السلطان أحمد في إسطنبول أو حتى في تلّة يافا القديمة أجمل عندي من كُل مفاتن تل أبيب، ولكن لهذه المدينة حكاية عجيبة، ثلّة أرباعها دفينة تحتها وشيء قليل يُرى ولا يُرى.. كفلسطيني عاد ليدرس في جامعتها بعد النكبة، ومظاهرة لأجل غّزة في قلبها، وبيت صمد في وجه الاحتلال وقرى وحكايات كثيرة دُفنت تحت عماراتها.. وهذه التي تجعلني اُحبها!
نعم.. اُحبها لأن العرب يُسمونها زوراً وبهتاناً بتل الربيع، ولأنهم تكاسلوا أن يبحثوا في كُتب التاريخ إن كانت هناك قريةً فلسطينيةً بهكذا اسمٍ أصلاً، ولا يعرفون أن "تل الربيع" ليست إلا ترجمةً لاسم "تل أبيب" الذي استوحاه رجال الحركة الصهيونية من رواية بعنوان "الأرض القديمة الجديدة" أو "آلت نويلاند" بالألمانية والتي كتبها أبو الحركة الصهيونية "ثيودور هرتسل" يوم كان لا زال يحلم بإقامة "دولة اليهود"، فأطلقوه على اسم المدينة العبرية الأولى في فلسطين عام 1906، أي قبل 1948 بكثير.. ثم نأتي نحن ونبكي على "تل الربيع"!
وكيف لا اُحبها وفيها عرفت ثلّة من الشباب هُم "شباب اقرأ"، وكانوا من خيرة من عرفت حتى أنني لا أذكر أحدهم وهو يقول بأنه يدرس في "الشيخ مونّس"، لا في "تل أبيب"، ولم أكن حينها أعرف الشيخ مونّس ولا غيرها مع أنني كُنت أحفظ الكثير من أسماء شوارع تل أبيب غيباً كجابوتينسكي وآبا هيلل مثلاً، حفظت الاسم جيداً، وكانت تلك فاتحة خير، ولو تلك الصدفة الجميلة التي جمعتني بهكذا شباب ما كُنت لأبحث وأعرف القرى التي قام عليها تل أبيب كالشيخ مونس وجريشة وصميل وسلمة والجماسين وسارونا، كما أنني ما كُنت لأحلم أن أجلس في خيمة في وسط جامعة "تل أبيب" كانوا يتذاكرون فيها نكبة فلسطين، بينما تل أبيب كلها تحتفل بعيد الاستقلال!
في تل أبيب، خرجت في مظاهرةٍ فلسطينية لأول مرة في حياتي، كان ذلك في حرب غزّة عام 2008 وكُنت أخاف أصلاً من فكرة ذكر اسم فلسطين في تل أبيب، فكيف لي بالخروج في مظاهرة؟ لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لطالبٍ جاء من قرية يتحاشى الناس فيها ذكر فلسطين ظنّا منهم أنهم قد يُعتقلون، وفجأة يجد نفسه بين شباب يتظاهرون ورجال الشرطة والمخابرات تكاد تكون أكثر منهم وهذا غير المتظاهرين الصهاينة المعترضين أصلا على تظاهرنا..!
الأجمل من المظاهرات، كانت دعوة أحد الشباب لنا بعد مظاهرةٍ من مظاهرات الحرب بأن هناك مرضى من غزّة في تل أبيب، كانت الفكرة غريبة وقررت أن أذهب، لم أكن أتخيّل كيف يُمكن لدولة تقصف شعباً ثم تأتي به ليتعالج في مستشفياتها، وفعلاً ذهبنا ولم نجد جرحى حرب ولكننا وجدنا أطفالاً يُكابدون الموت ومرض السرطان، لا زلت أذكر أحدهم وهو يبكي من شدّة ألم في أسنانه وكان يومها نحيلاً جداً وكُنا نزوره أكثر من غيره، فنجا ولكن الكثير من أصحابه لقوا حتفهم، كانت الأوضاع صعبة وكُنت أشعر وكأن السرطان لا يعرف إلا غزة فقسم الأطفال كان مكتظاً بأهل غزّة.. والحقيقة أن "تل أبيب" قربتني كذلك من غزّة التي لم أزرها إلا مرّة في حياتي.. وفي الأفلام!
لقد غيرت أيام "تل أبيب" الكثير الكثير في حياتي، ولست أبالغ لو قُلت بأنني لولا تلك الأيام لما عرفت فلسطين حق المعرفة ولهذا حكاية طويلة طويلة.. ولأنني أعلم أن الحديث عن حُب هكذا مدينة قد يزعج بعض أصحابي والقراء.. ولكن الحق يجب أن يُقال.. وللكلام بقيّة!
*مدون فلسطيني
مدونات الجزيرة
