صيفية قصيرة «إلى نعمة»
تاريخ النشر : 2016-10-08 15:46

بعض الفرح لعودة المواسم وبعض الحزن بما يلائم الخريف، وأكثر منه للتأمل وكثير من الغضب!
أشم رائحة الشتاء؛ فالعام فصلان الصيف والشتاء، يتوسط الخريف بينهما من قبل، والربيع.
ليت الناس هنا يلتفتون إلى فعل الأرض الحقيقي، من زرع وحصاد، فلا تخيبنا الأرض ولا الشجر، صدق الرعاية يعني صدق الحصاد، الأرض والبيدر، والمعاصر، والخوابي، وهذا التراب المشع سحراً وخصوبة، رغم الماء القليل!
في فلسطين، يسلمنا موسم العنب لموسم الزيتون، وما تهل علينا «مطرة المساطيح»، حتى تكون إيذاناً بجمع ثمار حب الزيتون، لرحلة أخرى جميلة ومتعبة مع الشجر، فوقه وعليه وجوانبه وتحته، بما يشكل رياضة جسدية تمنحنا الرشاقة بعد سمنة موسم العنب. وهناك في الجبال والسهول والتلال الفلسطينية، نفرح مع الجو الغائم، ونزداد نشاطاً، ونعطش مع الجو المشمس، ألم أقل فصلين في فصل الخريف؟
في كل عام، في اجتماعنا تحت الشجر وعليه، لنا أن نكرر حكاياتنا، ولنا أن نزيد: أبدأ الموسم بصرخة في الوادي أو على رأس جبل، صرخة تحاكي صرخة المرحوم علاء ولي الدين التي حاكى فيها صرخة الشاويش المصري في الأربعينات، حين كان يصرخ محذراً بوجوده لاستتباب الأمن: هع، مين هناك!
ربما كان هناك أحد، أو لم يكن، كأن طقوس حماية أحياء القاهرة كانت تقتضي صرخة الشاويش، حتى لا يضطر للتجوال على طول الحيّ.
ثم حين «نفرد الأغطية» أسمي وأسبّح مثلما كان يفعل الكبار، حيث ما زلت في موسم الزيتون أشعر بطفولة ما داخلي، ثم أنظر تجاه أختي نعمة قائلا: «إنا نوينا التزهزُه»، كناية عن البدء في الموسم اليومي، فأسألها السؤال التقليدي، الذي كررته على مدار 30 عاما، فتجيب الإجابة نفسها، ونضيف معا لربما كان بريئاً، الله وحده يعلم، ضاعت الأدلة، ثم ننتقل لهمومنا واهتماماتنا..وهي كثيرة بحجم الأسرة والوطن الحبيب وترابه الساحر الذي نسعد بحضوره معنا.
بصرخة وابتسامة نبدأ نهاراتنا القصيرة، فالمثل لم يترك شيئا كما قالت المرحومة أمي «نهار الزيت أصبحت أمسيت». عمل متواصل ممتع، نفرح كلما جمعنا حبات، ونفرح بقرب الانتهاء، وقصف «غصن» يسلمنا إلى قصف، وشجرة إلى أخرى، وحبلة إلى أختها، ومن كرْم إلى كرْم آخر، هكذا ندور حول الشجر وحول الأرض، انتهاء بالزيت الصافي الساحر، الذي يمنحنا القوة من عام إلى عام، فهل عشنا إلا عليه والخبز، والمثل يقول «الطحين والزيت سبعين في البيت»، متذكراً هذا المثل كجزء من درس ألفته للصف الرابع قبل 16 عاماً، متأثرا بالبيئة الفلسطينية، كأنهما الطحين والزيت ذخران استراتيجيان في الأمن الغذائي، كفيلان بأن يكونا حارسين للبيت من الفقر.
كان القرويون/ات أهلنا يذكرون هذه الأيام، مطلقين عليها «الصيفية القصيرة»، ولم أكن أعير التسمية كثير أهمية، ونحن الذين تلقينا تعليماً معلباً بأن للسنة 4 فصول؛ فلو تأملنا في الخبرة الشعبية لوجدنا أنها أكثر دقة، كون الخريف فعلا فصل صيف قصير، والدليل الحرارة وثمار الصيف، فلا يتغير علينا الكثير، إلا إذا أمطرت في كانون الأول، فتجدنا نتجنب الماء قليلاً، ثم ما نلبث أن نعود. أما أنا وأخي داود، فكنا نثير ضحك الأسرة ونحن نقفز فرحاً بمطر الخريف، مستغربين من لقاء الشمس والمطر!
ولعلنا هنا نتذكر اقتتالنا البريء على الأيديولوجيا، لمراهقين ومراهقات، متذكرين ردود فعل الكبار، التي خبروها مع السنوات، فإما ينصحون بهدوء، أو يصرخون استنكاراً لاقتتالنا العبثي!
لنا إذن في هذه الصيفية القصيرة بنهاراتها ولياليها، وبحلقات عصر الزيتون، حيث الشاي والقهوة والسياسة، تمضية الوقت بما يهم ولا يهم، فكل وهمومه، ولربما يرتفع الحديث قليلا إن اختلفنا في السياسة كعادتنا، وربما لا يرتفع، حيث هموم الناس هنا ليست كالهموم في الصالونات. كل وهمومه واهتمامه، كل وثمره، كل بما يزرع ليقطف. فمن زرع شجراً حصد حباً، ومن زرع قولاً أو سلوكاً أو ولاء له أن يتوقع بما يظن أو ما قد وعد من هذا وذاك.
في هذه الصيفية سيطول الحديث عن حال الوطن، فما الذي سنقوله تحت الشجر وفوقه؟ وما الذي سنقوله على الورق وشاشات الحاسوب والتلفاز؟
هل نترك كل ما نحمل من هموم قديمة وجديدة لنختزلها في هم ّ واحد؟
هل تصبح كل الاهتمامات منصبّة في اهتمام واحد؟
هل نترك الزراعة والصناعة والتجارة والثقافة والتعليم والحب والورد لنتحدث فقط في الحكم والحاكم؟ فما الحكم والنظام السياسي والرئاسة والإمارة والوزارة إلا الناس-الشعب، والأرض.
إن كنا متحدثين، فلا يجب أن ننسى تفاصيل الوطن الحبيب، العريق، ذي العمر الطويل، الذي يبقى دوماً بعد كل غازٍ أو حاكم، يبقى بهوائه الشتوي والصيفي، بالتراب، بماء النهر والبحر والعيون، ولا مانع من التحدث قليلا لكن ليس لمجرد الحديث، بل للفعل الشعبي الحقيقي الذي ينحاز للوطن والبشر والشجر، للسهول والجبال والبراري والسواحل، منحازاً دوماً للإنسان الفلسطيني: وفياً للماضي، ومنحازاً لبقائنا معاً، وبقاء أجيالنا على أرضها الجميلة، حتى لا نغمض عيوننا فتطير الأجيال نفوراً من واقع بائس رسمناه في غفلة وطيش واقتتال عبثي.
في الصيفية القصيرة، لنا أن نختبر ما تبقى من عقلانية ومشاعر صادقة وولاء للوطن هنا على الأرض، على الشجر تحته وعلى جوانبه!
هذا ما لدينا هنا، وليس بوسع أحد أن يغصبنا على رأي أو حكم، «والطحين والزيت سبعين في البيت»، وفي القصيد : «وإن جُعتُ أقتاتُ زعتر» كما قال عبد اللطيف عقل.
فقط نفكر أو نشعر، دون وصاية من أحد علينا، فالشعب العريق يقول كلمته ولو بعد حين، فحين يتبخر ما يتم تهييجنا به، من ناس يريدون أن يصبحوا أبطالاً، سيكتشف الشعب نفسه كم هم ورقيون ووهميون!
البطل ها هنا، من يحمي الأرض ويسيجها، ويزرعها ويسوق منتجاتها، ويدعم الزارع والصانع والتاجر، الطالب والمعلم، الصغار والكبار، وليس البطل من يصعد على رقاب البشر بحلو الكلام وشعاراته الخاوية، أكان من هذا الفصيل أو ذاك، مستقلاً أو مستغلاً، مصفياً الحساب، أو طالباً الإمارة.
لا يستحق الأمر هذا العناء، بل للأمر مسؤوليات ثقيلة جداً تحتاج التعاون لا الاقتتال!
هنا، في قمة الجبل أو في واد عين سلمان سأصرخ كما كان يصرخ علاء ولي الدين، موجهاً ناظري نحو المستوطنة والجدار!
سأصرخ كما كان يصرخ والدي علينا حينما كنا نقتتل على مواقف الفصائل يساراً ويميناً ووسطاً!
سأصرخ صراخ العاقل لا صراخَ مجنون، وسيرد علي عصام أو قدري في الجانب الآخر، حيث يصير الصوت صدى يتكرر، مثيراً التأمل والضحك والغضب أيضا!
كل عام والزيتون بخير والقمح والعنب والمزارعون، والصانعون والتجار، والطلاب، والمعلمون، والغيوم والشمس وفلسطين كاملة الروعة بخير!
[email protected]