أحلم أنني فقدت الشعر، وأنني لن أكتبه بعد اليوم. يتكرر هذا الحلم مثل حلم الكساح: أكون صبيا مع رفقتي فيطاردنا شيء مخيف. وحين توشك يده أن تمسك بنا، يرفّ الجميع بأجنحتهم ويطيرون إلا أنا. آه، أنا الوحيد الذي بلا جناح بينهم. ثم إن رجليّ كسيحتان أيضا. لا أستطيع أن أطير، ولا أن أركض، فيفتح الذعر فمي وأصرخ. ثم أصحو والعرق يبللني. يحصل لي مثل هذا مع الشعر. أحلم أنني فقدته إلى الأبد. أنه طار وتركني كسيحا. فأحاول تهدئة نفسي الممقوتة. أقول لها: ألا تذكرين يا نفس كم كتبتُ من قصائد حلوة؟ لقد كتبت ما يكفيني من القصائد والأغنيات. لكنها تنوح فوق رأسي مذعورة: سوف تموت إن توقفت، سوف تموت.
الشعر مهنة فظيعة.
صقرٌ يحلّق عاليا فوق رأسك، ثم يهوي فجأة ويقطع بمنقاره لسانك.
23-9-2015
*
أنا أكره المرايا. المرايا تُضل المرء عن ذاته. وأنت تقابلني كمرآة. لذلك سأجعلك شظايا.
خسرت أمس في لعبة نرد كل ما أملك. تبقى لي فقط كومة من النجوم فوق رأسي. لو سقطت واحدة على كتفي لصرت ضابطا عثمانيا. وأنا لا أكره شيئا كما أكره الصمت. والمرايا هي الصمت. لا أحد يستطيع أن يصرخ داخل مرآة. أتعرف ذلك؟ لذلك سأكسرك. سأكسر قلبك كما لو أنني حبيب يهجرك.
الطيور تضرب بمناقيرها حبة القمح في المرآة ولا تطالها. أنا لا أستطيع أن أطالك. أستطيع أن أكسر قلبك كما تُكسر رمانة، لكنني لا أطالك. دعني أنام عندك على العتبة. أطعمني قبضة من حشيش.
الله! كيف وصلت إلى ما وصلت إليه؟! أنا ميت داخل المرآة. كيف سيعبرون إليّ كي يحملوني على السحلية؟
أنا أؤجل كل شيء. أؤجل ذهابي، وأؤجل عودتي.
خلك في مقابلي. خلِّني أقلع بمنقاري عينك التي في المرآة.
11-4-2015
*
لا أتخلى أبدا عن ملابسي القديمة. كيف لي أن أرمى في حاوية القمامة قميصا وقفت به يوما أمام المرآة، وابتسمت لنفسي بمودة؟
أضع ما بلي من ملابسي في أكياس في السدة. لدي أكثر من عشرة أكياس هناك. ولدي أيضا كراتين أوراقي القديمة: قصائد فاشلة، رسائل لم ترسل، رسوم، قطع جرائد، وخربشات.
ومرة كل عام أو عامين، أصعد إلى السدة، وأقضي ساعات هناك. أتحسس الأزرار الكبيرة والصغيرة. أبحث في الجيوب، فأجد أحيانا ورقة أو حبة علكة. أقرأ الأوراق فأعثر على قصائد موجعة أجمل من تلك التي نشرتها. وأقول لنفسي: أنا من كتب هذ؟ أنا؟
لكنني أتركها في مكانها، وأهبط على السلم.
الماضي أرض وسيعة. تستطيع أن تمهد لك مكانا فيها، وأن تأخذ غفوة.
وعند موتي سوف تُدفن الأكياس والكراتين معي. هكذا أوصيت أهلي.
لا أستطيع أن أضع ماضي على شريط متحرك، كما يفعل المسافرون بحقائبم في المطار، ثم أتركه يمضي في طريق وأنا في طريق آخر. لا أستطيع.
لا أسافر وحدي. آخذ معي الوجوه التي أحببتها، القمصان التي شربت العرق من جسدي، والكلمات التي عذبتني.
31-10-2015
الشعر مهنة فظيعة
تاريخ النشر : 2016-10-05 16:48
