حاورتها: فاطمة مشعللة
يبدو من المفارقة أن تخترق شابة فلسطينية عالم الكتابة وتصنع اسماً، دون أن تكون إمرأة عاملة أو تقطن المدينة حتى تبقى في دائرة الضوء، غير أنها ترى القرية عالم زاخر، يمدها بالكثير من الثقة لتعبر عن ذاتها ككاتبة، وتقلب الصورة النمطية عن دور المرأة حتى لدى نساء الريف أنفسهن.
وفاء ابرويش في الثلاثينات من عمرها، اثارت اهتمام الكثير من الكتاب حول جمالية ما تكتبه من نصوص نثرية، رغم أنها تجمع أكثر من نقيدٍ في آنٍ واحد؛ لا سيما تربية أولادها، إلى جانب الحرص على ترعرع الكلمات الدافئة داخلها، وتربيتها وفق الأصول الأدبية والشاعرية.
وقد ولدت وفاء في الأردن، بتاريخ الرابع عشر من شهر شباط/فبراير للعام 1979م؛ حيث نشأت و ترعرعت هناك، و تلقت تعليمها الجامعي في برمجة الحاسوب، قبل أن تعود إلى فلسطين، وتؤسس حياتها الزوجية في قرية بيت كاحل شمال غرب الخليل، وتنجب أربعة نجوم، كما تُحب أن تصفهم، عملت ابريوش في التدريس، ثم اختارت التفرغ للكتابة، ومنح أطفالها الدفئ والاهتمام. مراسلة "نوى" حاولت أن تبحث في مكنونات نصوص وفاء والتعرف عليها عن قرب، وفيما يلي نص الحوار:
- ما الذي يحصل عندما تكتب القصيدة أنثى؟
يجفل الشرق بلا شك، و يستطلع النيّات الباطنية و الظاهرية في حملة بحثٍ شرسة عن المعنى المقصود في كل كلمة تكتبها الأنثى في كلماتها الأدبية؛ عندها على الأنثى أن تكون قوية لتُدافع عنها كلمات القصيدة.
- حمل كتابك الأول، وهو نصوص مختارة نثرية في أغلبها عنوان (برد دافئ)، كيف للبردِ أن يكون دافئاً؟
- كل ما يموت على هذه الأرض يأكله البرد؛ أجساد الأحبة أو الذكريات مثلاً؛ لكن رغم ذلك، فإن هذه الأشياء(الباردة أو التي ماتت دواخلنا) تحمل الدفء حين تتدفق للخاطر، ويغلفها الحنين.
- هل قمتي بإصدار كتب أُخرى؟
حقيقة ترددت بالنشر، والكتاب مجموعة شعرية بعنوان" تعال و إن لم تأتِ " لكنني حالياً أعمل على إنهاء رواية سوف تُنشر في مطلع العام المقبل 2017 بإذن الله.
- ما هي أحب النصوص التي كتبتِها إلى قلبك؟ ولماذا؟
نص "يوميات امرأة عادية" لأنه يحكي وفاء بصدق، ويحكي حياتها، وبسبب فوزه أيضاً، في مسابقة (هوى الشام) عن قصيدة النثر.
- كيف لوفاء ابريوش أن تقطن قرية وتستمر في حفظ أجواء كتابتها؟ كون الريف ضيق الأفق الثقافي بالنسبة للنساء؟
الضيق أو الإنغلاق الثقافي محصورٌ بإرادة الإنسان خاصة مع الانفتاح، و عصر العولمة الذي نحن فيه؛ فالإنسان هو من يختار حواجزه، و ليست هي التي تُفرض عليه؛ فالحواجز والمعيقات في الغالب وهمية و صناعة بشرية بامتياز، والجمال لا يقف عند حدٍ مُعين أو شخصٍ؛ فإنه بمقدوري مثلاً قضاء وقتٍ طويلٍ في مراقبة الأشجار، والجبال المُحيطة، وبكل الأحوال لست بحاجة لأكثر من قلمٍ جميل، وموسيقى هادئة، أو الحديث لأسرتي، ومتابعة الأخبار عبر وسائل متعددة؛ فهذه الأمور كلها، بالنسبة لي نِعماً كبيرة.
- ما المعيقات التي واجهتكِ وما زالت، بالرجوع للبيئة القروية وممارسة الكتابة؟ وبمعنى آخر ألا يخدش الريف بعقليته المُنغلقة جمال الكلمات الخارجة من القلب للورقة؟
بيت كاحل قريتي فيها أكبر نسبة مُعلّمين في محافظة الخليل، بالإضافة لوجود شعراء أيضاً فيها ، فهناك وعي بشكلٍ أو بآخر، و قد كان لي شرف المشاركة في اليوم الثقافي الذي نُظمَ في بيت كاحل حيث تم تكريمي خلاله، وقرأت ما هو وطني وما يحمل الحب والعاطفة والغزل أيضاً، من الشعر وبعض نصوصي النثرية؛ و ليس لدي ما أخجل من طرحه.
- ما رأي عائلتك بخيارك الأدبي؟
العائلة تُشجعني عدا أمي! و ذلك لخوفها عليّ بسبب ملاحقة الاحتلال لأصحاب الفكر الحُر، لكن الفضل الحقيقي في تشجيعي يعود لزوجي" أيمن عطاونة "؛ فقد كان داعماً لي على الدوام، ومؤمناً بما أمتلكه من قدراتٍ أدبية.
- ما طبيعة علاقتُكِ بنساء القرية؟
-هي علاقة قائمة على المودة و الاحترام و المشاركة المرحة.
-مجتمع القرية يتدخل كثيراً في خصوصيات الفرد، ولا يعتبر ذلك عيباً أو إثماً ، كيف لامرأة تكتب الأدب، وتطبع إنتاجها أن ترد على جميع المضايقات الصادرة عن المحيط؟
لا يمكنني السماح لأحد بتخطي حدوده إلى خصوصياتي، كوني في مملكتي لا أتعدى على حياة الآخرين، لكن هذا لا يجعلني مضطرة للرد على ما لا يروقني.
- هل تشعرين أنك أثرتي إيجاباً في محيطك القروي، أو ساهمتِ في تغيير الصورة النمطية عن المرأة في الريف؟
الحمد لله بتّ أرى جرأة في الطرح الكتابي لدى بعض المواهب الأدبية التي أتابعها، لدى بعض الشابات في قريتي، كما ألمح الكثير من التعطش لدى السكان هنا، للقاءات ثقافية والارتقاء بها.
-من الطبيعي أن تتأثر أساليب تربيتك وتعاملك مع أطفالك، بالوعي الأدبي الذي تمتلكين ككاتبة.. أحكي لنا عن ذلك؟
التربية لها قيم واحدة، ولكن الأسلوب يختلف حتماً من شخصٍ لآخر، الأمومة ربما لا تمنحني فرصة التفكير ككاتبة! إلا أن هناك عادة المشاركة في الحوار، واستخراج جماليات الوجود في الأشياء من حولنا، وأحياناً نتواصل أنا وأطفالي باللغة العربية الفصحى؛ فأولادي عُشّاق للكُتب، والتثقف، ويسعون لذلك، وتُبهرهم المعلومة الجديدة.
-ماذا يعني لكِ وقت المساء؟
المساء هو الميناء الذي أعود به لذاتي، لأعماقي البعيدة.. أقرأ ما أحسه سينعشني من كتب وقت المساء، أو أكتب، وأحياناً أطالع صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي.
-مَن الكاتب العالمي الذي لم تقرأين له حتى اليوم؟ فيودور دوستويفسكي .
-أنتِ امرأة غير عاملة، من أين تستمدين صمودك في الكتابة؟ بالإضافة إلى طبيعة الدوافع التي تتشكل لكتابة النص من أين تأتي بها وفاء ابريوش؟
كوني امرأة غير عاملة، هذا يمنحني سعة من الوقت، و هدوء البحث العميق، بالإضافةِ إلى مشاركتي في اللقاءات الأدبية، و القراءات النقدية.
أما عن مصدر النص؛ فهي قدرة أي كاتب على الشعور بما حوله، سواء أكان ذلك مؤذياً أو يُسعد النفس، والحياة زاخرة، وبساتينها كذلك شاسعة؛ المهم من أين نقطف ثمارنا.
جزء من قصيدة ملاحقة قصيدة لوفاء ابريوش:
حين تكتب القصيدة أنثى
يجتمعُ مخبرٌ قانوني
باحثاً في مجاهل المعنى عن خطيئة
وشرطة تُفتش غرفة نوم الحروف
لتعثر على أي وشاية
أو منشور فكرٍ رخيص
حين تكتب القصيدةُ أنثى
