غزة-نوى-شيرين خليفة:
ما زلنا نذكر مشهد ذلك الفتى الشجاع الذي قفز كعداء ماهر متجاهلًا الرصاص الحي إلى ما كان يعرف بـ"مستوطنة نتساريم"؛ عند اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 وأسقط العلم الإسرائيلي، لينتهي المشهد الذي بثته عشرات وسائل الإعلام على الهواء مباشرة بإصابة الفتى.
الآن وبعد مرور 16 عامًا على هذه الحادثة، يمشي الشاب رأفت اللوح (33 عاماً) ببطء ثقيل جراء إصابته في الساق ومازال بحاجة إلى العلاج.
الفتى الذي تحدثت في حينه جميع وسائل الإعلام عن شجاعته بما في ذلك "العبرية" التي اعتبرت فعله هزيمة لدولة اسرائيل، لم يعد أحد يكترث له اليوم، رغم معاناته نتيجة الإصابة، ومعاناة طفلته المريضة بسرطان في الفك ولا يقوى على علاجها على ضوء قطع راتبه.

رأفت اللوح يحمل صورته عندما أسقط العلم
ليتني أكرر
"ولو عاد بي الزمان سأسقط علم إسرائيل ألف مرة"؛ بهذه الكلمات الواثقة تحدث رأفت لـ"نوى" وهو يتذكّر ما حدث في ذلك اليوم، موضحًا أنه كان يؤمن بأن إسقاط علم الاحتلال عن المستوطنة، بمثابة هزيمة لاسرائيل.
يعيش رأفت مع زوجته وأطفاله الثلاثة في غرفة واحدة من أصل ثلاثة غرف- إحداها لشقيقه المتزوج- في بيت متواضع جدًا قرب مدخل مدينة غزة وتحديدًا في المنطقة المحاذية لمستوطنة نتساريم التي أخلاها الاحتلال الإسرائيلي عام 2005م، ومنذ فتح عيناه على الدنيا عام 1983 وهو لا يرى إلا أشجار الحدود الشرقية المجاورة لبيتهم وجدران المستوطنة.
اعتقل الاحتلال الإسرائيلي والده علي اللوح عام 1984 حين كان رأفت يبلغ عامًا واحدًا – وهو الابن الثالث من بين أشقائه السبعة- بتهمة الانتماء لحركة فتح، وحُكم 25 عامًا، ليجرّب مبكرًا الحرمان من عاطفة الأب، ثم تحرر عام 1993 بعد اتفاق أوسلو.
يقول رأفت :"كنت أشاهد الجيبات وهي تمر من شارعنا باتجاه المستوطنة وكأنها أرضهم، المشهد كان دومًا مستفزًا بالنسبة لي"، ويكمل بأن ثورة الغضب عاشها منذ كان طفلًا كما أي فلسطيني.
عند اندلاع الانتفاضة كان رأفت ورغم صغر سنّه يعمل في شركة الكهرباء القريبة من بيتهم في تمديد كوابل الضغط العالي ويحصل على أجر جيد، وعندما اشتد إطلاق النار، ركب دراجته الهوائية وتوجه نحو نتساريم.
يقول رأفت :"بدأت كما الجميع برمي الحجارة وحين وجدت المستوطنة فارغة قررت القفز وإسقاط العلم، وعندما أصبحت فوقها فوجئت بالجنود كامنين في الغرفة التي يعتليها العلم".

مشهد إسقاط العلم عندما انزله رأفت اللوح في 2 أكتوبر عام 2000
كان مشهد الجنود مفاجئًا لكنه لم يتراجع، يكمل :"كان معي ثلاثة شبان أحدهم من عائلة أبو أمونة استشهد أثناء محاولتنا إسقاط العلم، وشاب آخر لم يتمكن من إسقاطه فمزّقه ونزل وصعدت بعدها وأسقطته".
هنا تدخّلت والدته لتقول:"في ذلك اليوم كنا نتابع الأحداث على التلفزيون، فجأة صرخت ابنتي أن رأفت فوق المستوطنة؛ نظرت فأصابني المشهد بالجنون، خرجت بسرعة نحو المستوطنة وأنا أصرخ الله أكبر عليكِ يا إسرائيل".
إسقاط العلم
وصلت أم رأفت المكان ورأت ابنها يتسلق سارية العلم، تحت كثافة إطلاق النار، فألقت بنفسها تحت شجرة ومعها عشرات المواطنين وهي تواصل الصراخ الله أكبر عليكِ يا إسرائيل، وحين سقط الشهيد أبو أمونة على الأرض ظنّت أنه ابنها.
تحت كثافة إطلاق النار هرب رأفت ومن معه، سقط فوق مفحمة مجاورة للمستوطنة، ثم زحف على بطنه مصابًا برصاص "الدمدم" المحرم دوليًا حتى وصل مصنعًا قريبًا فأغمي عليه ليجد نفسه بعدها في المستشفى.
تكمل الأم وهي تستذكر تفاصيل المشهد بدقة: "سحبني زوجي لسيارة قريبة وتوجهنا إلى مستشفى الشفاء من طرق التفافية، وفي الطريق كنت أصرخ وأسأل عن رأفت ووالده يقول الحمد لله، وردّ عليّ أحد الركاب قولي لا حول ولا قوة الا بالله، الجميع كان يظن أنه استشهد".

رأفت اللوح مع أطفاله الثلاثة علي وبسنت وأحمد
تم علاج رأفت بدايةً في الخدمات العسكرية بتوجيهات من اللواء عبد المعطي السبعاوي ونظرًا لخطورة حالته سافر إلى الأردن ثم إلى إيران للعلاج، عاد إلى أرض الوطن فتم تعيينه في الشرطة، تزوّج وأنجب ثلاثة أطفال، عليّ 12 عامًا، وبسنت 10 أعوام وأحمد 6 أعوام.
ولا تعد مهمة اسقاط العلم التي نفذها رأفت، أولى الحوادث البطولية التي يشهد له فيها، إذ سبقها قبل اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 بفترة وجيزة، قيامه برفقة مجموعة من الشبان بإلقاء كميات كبيرة من المسامير في الشارع المؤدي للمستوطنة حيث تمرّ الجيبات؛ مما أدى إلى إعطاب عجلات الجيب، ووقتها فرّ الجنود إلى المستوطنة، فقفز رأفت نحو الجيب وأستطاع أخذ الأسلحة وأجهزة الاتصال وفر باتجاه الحدود الشرقية حيث يقيم أفراد من جهاز الأمن الوطني ليقوم بتسليمها هناك.
مقطوع راتبه
عندما حدث الانقسام السياسي عام 2007تم قطع راتب رأفت البالغ 1800 شيكل بتهمة الانتماء لحركة حماس، رغم أنه لا ينتمي لأي فصيل، ويقول :"تقرير كيدي تسبب في قطع راتبي".
ويكمل بأنه اجتهد ليعرف كيف تم قطع راتبه، وأنه اعتصم مرارًا ضد قطع راتبه، من بينها مرة لمدة 200 يومٍ مع المقطوعة رواتبهم، حتى أنه لبس كفنًا وبنى قبرًا قرب بيت الرئيس في غزة ولكن دون جدوى، وقبل عام تم إرجاع الراتب مقتطعًا أي 700 شيكل فقط.
يعاني رأفت بشكل مستمر من آلام حادة في موضع الإصابة ويحتاج إلى علاج مستمر لا توفره له أي جهة، كما يقول، كما يصعب عليه العمل في الكثير من المهن ومنها حمل الأشياء الثقيلة أو العمل الذي يحتاج سرعة في الحركة نظرًا لبطيء حركته نتيجة الإصابة، ويضطر لإعطاء الأولوية لطفلته في العلاج، وحتى الإنفاق على بيته يتكفل به والده المتقاعد الذي ينفق على أسرة مكوّنة من 15 فردًا.
يضيف :"لأني مسجل كموظف لا أحصل على معونات من الشؤون الاجتماعية ولا من مؤسسات ترعى الجرحى وتأمين السلطة منتهي منذ 9 سنوات لأني لم أعد موظفًا، علاج رجلي المصابة يكلف شهريًا 300 شيكل، لا أتمكّن من توفير أي شيء منها لأن علاج طفلتي أهم بالنسبة لي؛ على الأقل تحتاج إبرة في الفك كل يوم أحد تكلّف 50 شيكل".
ورغم كم البؤس الذي تعانيه أسرة الرجل الثلاثيني، إلا أنه يتمنى لأطفاله أن يكونوا مناضلين، ويعمل جاهدا على غرس حب الوطن في نفوسهم وضرورة تحريره من الاحتلال، ويؤمن كذلك بأن من يريد وطنًا لا ينتظر المقابل، فهل هكذا نكافئ المناضلين.

قسيمة الراتب الأصلية لرأفت

قسيمة الراتب المقتطع الذي يحصل عليه حاليًا

التقرير الطبي لطفلته بسنت

نموذج جدول الإبر الأسبوعي للطفلة بسنت

التقرير الطبي لرأفت اللوح عند إصابته عام 2000
