غزة- محمود حسنين
تقول الحكمةُ إن التجربةَ ليست ما يحدث للإنسان، بل ما يفعلهُ الإنسانُ حيال ما يحدثُ له، وبمعنىً أخر، فإن التجارب لا تُعلم إلا القابلين للتعليم، ليس فقط التعليم هو جلُ ما يكتسبهُ أي شخصٍ سيخوضُ للمرةِ الأولى تجربة من نوعٍ جديد، ثمة عبّرٍ ودورسٍ لا يمكنُ قراءتها لاحقاً إلا بالممارسةِ العملية، واحدةٌ من هذه التجارب التي صقلت لديّ الكثير ونقلتني من مربع التفكير الفردي، إلى فضاءاتً أرحب، وأوسع في التفكير الجمعي نحو المصلحةِ العامة، والوطنية، هي تجربةُ المناظرات التي تمثلُ شكلاً من أشكال الخطاب العام، تناقش من خلالها قضيةً معينة تتم في جلسةٍ عامةٍ، تُقدمُ فيها حججٌ متعارضةٌ أو متصادمة، غالباً ما تنهي بتصويتٍ من الجمهور أو لجنة تحكيم، تُفضي لاحقاً إلى ترجيح كفة أحد الطرفين.
قد يبدو تعريف المناظرات بهذا الشكل قاصراً عن تحديد مفهومٍ أعمق وأشمل للمناظرات، يتضمن قياس التأثير الإيجابي للمناظرات ليس فقط على بناء قدرات المتناظرين فحسب، بل يتعدي ذلك ليمكنّهم من اتخاذ دور فاعلٍ في تغيير مجموع المفاهيم المتعلقة بقضايا متعددة، يبدو المجتمع الفلسطيني تحديداً مليءٍ بكثير منها، لا سيما في ظل حالة عدم الاستقرار التي باتت تضرب أطناب الحياة في قطاعاتٍ مختلفةٍ كنتيجةٍ طبيعيةٍ لاستمرار حالة الانقسام السياسي بكل ما أفرزتهُ هذه الحالة من تداعيات سلبية على الواقع الفلسطيني.
الأهم برأي أنها، أي المناظرات، تشكل لبنّة ونواة حقيقة، لتشكيل قوةٍ مجتمعيةٍ يقودها صحفيون، وكتّاب، ومثقّفين، ولفيفٌ من قادة الرأي، والشباب الواعي، المدرك لهموم مجتمعة، من أجل تفكيك غلاف السلبيةِ الذي يحيط بالواقع الفلسطيني، وهي بشكل أو بأخر تمثل دعوة إلى إنتاج مبادرات ستظهرُ آثارها جلية بعد وقت قصير من الزمان، يلعب من خلالها فئةُ الشباب تحديداً أدوراً أكثر قوة لتظّهير أنفسهم، والوقوف على قضاياهم، وقياس قدرتهم على الاشتباك المباشر مع مجتمعهم، وهو ما يمهد لاحقاً لتوليهم مناصب صناعة القرار لاحقاً، بما يحدث تغييراً جوهرياً في آليات صناعة القرار الفلسطيني، وإن كان ينظر لهذه المسألة تحديداً بزوايا مختلفة من قبل عديدين، لا يتسع المجال في هذا المقال لذكرها.
أحدث المناظرات التي شاركتُ في تدريبها بشكل مباشر، كانت حول الدور المنوط بنقابة الصحفيين الفلسطينيين، وقدرتها على حماية الإعلاميين/ات، من الانتهاكات التي يتعرضون لها من جهات عديدة، وإلى أي حد يبدو تراجع دورها وضعفها المسبب الأول وراء ارتفاع نسبة الانتهاكات بحق الصحفيين، في مختلف الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في قطاع غزة والضفة الغربية .
مناظرة كالتي دعت إليها مؤسسة فلسطينيات، وعقدت بالأمس القريب ، ضمن سلسلة مناظرات دأبت على عقدها خلال الأشهر الماضية، وتأتي بُعيد طرح مباردةٍ تقدمت بها وفاء عبد الرحمن مديرة مؤسسة فلسطينيات لتوحيد الجسم الصحفي، من شأنها خلق أجواء أكثر إيجابية ليس فقط في آليات التناظر والارتقاء بمستوى أداء المتناظرين، بل تمهد على أحوال عدة إلى تأصيل وتأسيس ثقافة المناظرات في المجتمع الفلسطيني، بصورة يغلب على ظني أنها ستؤتي أوكلُها قريباً.
