غزة-نوى-تمام محسن:
ربما يختصر القول الشائع "الحاجة أم الاختراع" دوافع الكثير من المخترعين؛ وعلى وجه خاص يوجز هذا القول قصة ابتكار لأربعة مهندسين فلسطينيين من قطاع غزة عربة لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة على صعود الأدراج.
انطلقت فكرة تصميم العربة من مأساة شخصية حولها فريق Sketch Engineering -وهم غادة منسي، أمل أبو معيلق، محمد اليازوري ومحمد مسلم- إلى قصة نجاح فازت بجائزة " تحدي اليابان-غزة للريادة الاجتماعية 2016".
في حديث لنوى توضح غادة منسي -وهي خريجة في قسم هندسة الميكاترونكس- أن الفكرة جاءت من خلال إحدى المكالمات الهاتفية التي تواردت على الفريق فور إعلانهم تصميم عربة متسلقة للأدراج والتي كانت ضمن متطلبات بحث التخرج لدرجة البكالوريوس، قائلةً:" أناس كثيرة أثار انتباهها مشروع تخرجنا وهاتفنا من ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن الذين يسكنون في الطوابق العلوية لاستخدام العربة في تنقلاتهم على الأدراج، لكن الامر غير ممكن لأن تصميم العربة لا يراعي الأمان والحماية للمستخدم".
لم تغب الفكرة عن أجندة الفريق منطلقين من آمال الكثير من الأشخاص من ذوي الإعاقات، وتقدر أعداد ذوي الإعاقات في قطاع غزة بـ 43 ألف و642 شخص، وتشكل نسبة أصحاب الإعاقات الحركية 30 % من إجمالي الإعاقات بحسب تقرير أصدرته جمعيتا الإغاثة الطبية الفلسطينية والجمعية الوطنية لتأهيل المعوقين-وهي منظمات أهلية.

مراحل تطور العربة
وتوضح المهندسة منسي أن العربة تطورت على عدة مراحل وصولًا إلى نموذج يناسب ذوي الإعاقة، وتقول:" في السنة الجامعية الثالثة أنتجنا عربة ميكانيكية ذات 5 عجلات تتسلق الادراج، وفي بحث التخرج توجهنا لإنتاج عربة كهربائية لها ماتور وتحمل أوزانًا تصل ل 150 كيلوغرام تضم خصائص وتقنيات كثيرة، لكن فعليا لا يحتاجها السوق وتكلفتها عالية ".
وتضيف: "بعد تأسيس مكتب Sketch Engineering بدأنا ننظر للفكرة للاستفادة منها تجاريًّا، فجرى التطوير على العربة وصولًا إلى نموذج عربة ميكانيكية يعتمد على تقنية الثلاث عجلات وتحمل أوزان تصل إلى 70 كيلو جرام، لكنها لم تراعي الأمان والسلامة لنقل ذوي الاحتياجات الخاصة".
وعلى رغم من غياب التوجيهات من المختصين، لم تتوقف جهود الفريق عن التطوير وصولًا إلى نموذج العربة المناسب لنقل ذوي الإعاقات على الأدراج.
وبحسب المهندسة منسي فإن النموذج العربة المطلوب يتميز بتقنية الثلاث عجلات مرتبة على شكل مثلث، تتحرك عن طريق محرك كهربائي ذو عزم عالي. مصمم بشكل يوفر المتانة لكي يتحمل الوزن الثقيل المطبق عليها لغاية 200 كجم، يثبت عليها الكرسي الخاصة بالمعاقين حركيًّا بواسطة "ماسكات ميكانيكية".
امل
خبر تصميم العربة قد يكون مفرحًا للآلاف من ذوي الإعاقة الذي يقطنون في الطوابق العلوية، فالمواطن ناصر أبو مسامح (48 عامًا) وهو مصاب بشلل في العمود الفقري منذ عام 2008 ويسكن شقة في الطابق الثاني؛ لا يكف عن البحث في مواقع الانترنت حول أفكار قد تساعده وغيره في التنقل، ويقترح هذه الأفكار على المهندسة منسي وزملائها، داعيًّا الشباب والمبدعين للتفكير في تجاه خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة.
يقول لنوى: "العربة لا تساعدني أنا فقط، إذا نجح المشروع تكون رائعة ومفيدة أكثر من الطرق الأخرى لصعود ذوي الاحتياجات كالمصاعد الخارجية، وتزيل كل عائق أمامنا للتوجه إلى المؤسسات ذات الطوابق العالية بدون قلق الصعود والهبوط على الأدراج".
دعوات ناصر أبو مسامح قد تجد لها أدنًا مصغية عند الكثير من الشباب، لكن عقبات كثيرة تحول دون تنفيذ الأفكار، وتوجز المهندسة منسي الأسباب في عدم توفر بعض القطع الالكترونية التي يحتاجها التصميم، وغياب الدعم المالي لنقل التصميم من الأوراق إلى أرض الواقع.
عودة إلى المهندسة غادة منسي التي تشير إلى سعي فريقها للبحث عن أفكار تخدم جميع فئات المجتمع وتقول: "هدفنا التصميم وفقًا لاحتياجات الناس وليس للرفاهية فقط، نبحث في أفكار لتصريف مياه الامطار وتوليد الطاقة وإنتاج أدوات تساعد كبار السن وغيرهم".
تضيف بلهجة لا تخلو من الأسى:" هناك طاقات شبابية وإبداعية كثيري ممكن أن تسهل حياة ذوي الاحتياجات الخاصة او غيرهم مصيرها النسيان"، ودعت المسولين للاهتمام بأصحاب الأفكار ومساعدتهم لتطبيقها على أرض الواقع والتشبيك بين الوزارات والمصانع والمؤسسات المعنية لتحقيق ذلك.
في حين لا تتفق إسراء موسى-مسئولة تطوير الأعمال في مشروع Seed التابع لحاضنة الأعمال والتكنولوجيا بالجامعة الإسلامية - معها كثيرًا، وتقول إن اللوم يقع اولًا على أصحاب الأفكار الإبداعية المحتفظين بفكرتهم على الأوراق ومغلقين عليها الأدراج.
تضيف: "العالم يتطور بسرعة وما كان بالأمس فكرة إبداعية حداثية تصبح اليوم قديمة(..) الشخص إذا سعى يجد من يحتضنه ويدعمه وصولًا إلى ما يهدف إليه".
وتشير إلى توجه جديد لدى الجهات الحكومية في الوقت الراهن لإيلاء اهتمامًا بالمشاريع الريادية، وتستدرك:" الوضع الاقتصادي والسياسي الذي يمر به قطاع غزة جعلت حجم دعم المشاريع الريادية بطيء وليس بالشكل المأمول لكنه موجود".
وتضيف موسى أن حاضنات الأعمال بدورها تقدم كل المساعدات الممكنة لأصحاب الأفكار الريادية المحتضنة كالمساعدات اللوجستية، التسهيلات الوزارية، الدعم المالي، الاستشارات والتدريب لمساعدة المشروع لتكوين اللبنة الأساسية والبدء في الإنتاج.
