الانتخابات تضع كل ما لدى الناخبين والمنتخبين على الطاولة دون أقنعة. ويستطيع المجتمع أن يتعرف على طبيعة مرشحيه ومرشحاته وعلى التنظيمات السياسية والنخبة الثقافية والمجتمع ومستوى تطوره، وعلاقته بالديمقراطية ومنظومة القوانين والقيم الوثيقة بها، ونوع الثقافة المجتمعية المؤثرة في العملية الديمقراطية. الانتخابات هي بند واحد من رزمة بنود سابقة ولاحقة، لا يمكن فصلها عن الانتخاب ترشيحاً وتصويتاً وأداءً. لكن وفي التجربة الملموسة، هناك من يفصل ويتعامل مع الانتخابات باعتبارها البداية والنهاية، أو كل شيء تقريباً، بل باعتبارها أداة سيطرة وتجديد السيطرة في أحسن الأحوال. واقع الأمر، وفي ظل المأزق السياسي الكبير الذي يتلخص في تعميق الاحتلال الكولونيالي وإحكام السيطرة والتسلط على شعب ومقدراته، وشطب حقوقه الوطنية والمدنية، وإنكار حقه في تقرير مصيره. أمام الاستعصاء السياسي المترافق مع تفكك داخلي، فإن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى شدشدة وإعادة بناء مؤسساته وأشكال نضاله وقدراته على التحمل والصمود ومقاومة عملية الشطب. وهنا، ثمة فرق نوعي بين رؤية الانتخابات في سياق عملية إصلاح جدية لا تنتهي مع الاقتراع، وبين رؤية الانتخابات كعملية تثبيت سيطرة سياسية ما، أو تجديد تلك السيطرة. ومن المنطقي أن ينجم عن الرؤية الأولى المرتبطة بالإصلاح وبإعادة البناء، تغيرات تدريجية تبدأ بنقد الأداء والتجربة السابقة، وتمضي في عملية الانتقال إلى مؤسسات وظيفتها خدمة المواطنين وتلبية مطالبهم المشروعة وإشراكهم في إعادة بناء مقومات العيش الكريم، وتدفع باتجاه تقوية المجتمع وتعزيز صموده الوطني. ومن المنطقي أيضاً أن ينجم عن الرؤية الثانية (السيطرة وتجديدها) المضي في عملية التفكك والفساد والإحباط. كما نرى، يوجد رؤيتان للانتخابات المحلية في العام 2016. وبشكل عام، من يدقق في مزاج النخب المعبرة عنه في وسائل الإعلام وفي اللقاءات الثنائية والمشتركة سيجد مستوى من الإحباط من العملية الانتخابية. البعض يعتقد أن الانتخابات ستكون خطوة إلى الوراء، والبعض غير مبالي. غير أن المزاج الذي نقلته استطلاعات الرأي خارج النخب يراهن على تغيير ما نحو الأحسن. وإذا كان الترشيح قد انتهى، فإن الدعاية الانتخابية للبرامج والأفكار ستكون سيدة الموقف منذ الآن وحتى موعد الذهاب إلى الصناديق. القوائم والائتلافات، قدمت صورة مرتبكة لواقع القوى السياسية وتحولات المجتمع. فالعائلات والعشائر تركت بصماتها القوية على تشكيل القوائم، إما كشريك متكافئ مع التنظيمات السياسية، أو كشريك له كفة راجحة. وهذا يعكس تراجعاً كبيراً للتنظيمات السياسية التي بدأت نشاطها وتجربتها كأداة تنظيمية تعبر عن مصالح طبقات وشرائح اجتماعية، وتنطلق من هوية وطنية جامعة وهوية اجتماعية تنتصر للعدالة والحرية لعموم الشعب. إن عودة نفوذ العائلات والعشائر يشكل تراجعاً كبيراً للتنظيمات السياسية ونكوصاً نحو علاقات ما قبل المواطنة والمدنية وما قبل الرأسمالية. والانتقال من الكلي إلى الجزئي. الانتقال من مصالح شعب أو سواد أعظم من الشعب ووطن، إلى مصالح العائلة والعشيرة والقبيلة ومكان الإقامة "القرية والحي السكني في المدينة والمخيم". والمعايير والقوانين التي ينطلق منها التنظيم السياسي بحسب استراتيجيته ونظامه الداخلي، هي غير المعايير التي تنطلق منها القبيلة والتي يمكن أن تتلخص في مقولة: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً). كل تجارب الأنظمة العربية للاستقواء بالقبائل والعائلات، أفضت إلى تفكيك المجتمعات وانتقالها من مستوى شعب إلى جماعات متناحرة. ولا يمكن رؤية الحضور اللافت للعائلة والعشيرة في القوائم المعتمدة إلا تجسيداً لضعف وهزيمة التنظيم السياسي وتراجعه عن رسالته في التغيير الديمقراطي. ومن المؤشرات التي تثير قلقاً فعلياً، هي تشكيل حوالى 180 قائمة توافقية ستفوز بالتزكية في غياب قوائم أخرى، وقد شكلت في غالبيتها العظمى من قبل حركة "فتح" أو بتوافق بين عائلات القرية وبعض التنظيمات ("حماس" وتنظيمات التحالف الديمقراطي). والسؤال ما هي أسس وقواعد التوافق؟ هل التوافق يرتبط بتجديد البنية الإدارية اعتماداً على كفاءات تتولى مهمة التطوير وتلبية احتياجات المواطنين، والانفتاح على العالم الصديق أم ارتباطاً بالولاءات التنظيمية والعشائرية والعائلية؟ التوافق الذي يسبق البرامج وطرح الأفكار والتنافس ومواجهة التخلف والانغلاق والتعصب والتمييز ضد نصف المجتمع من النساء، هو توافق يكرس الأمر الواقع وتحولاته الرجعية. فهل يتوافق المتنور والعلماني والعقلاني والديمقراطي والتقدمي، مع المتعصب العشائري والمحافظ والمنغلق والتكفيري؟ هل يتوافقون على أفكار رجعية تتعامل مع المرأة كظل بلا اسم وشخصية وهوية؟ هل يتوافقون على فصل التلاميذ عن التلميذات أو ممارسة طقوس التوبة المروعة لأطفال المدارس؟ وهل يتوافقون على رفض التعدد الديني والثقافي من الناحية العملية؟ إن أقل ما يقال عن ذلك التوافق هو خنوع من يفترض أنه صاحب مشروع نهضة وتنوير، للظلامية الجديدة التي باتت تخيم على المجتمع بفضل مثل هذا التواطؤ والانكسار الذي يعود لعقدين ونيف من الزمن. والغريب في الأمر أن (التحالف الديمقراطي) يشارك بشكل وبآخر كتنظيمات منفردة في مثل هذا التوافق، متنازلاً عن مواقفه البرنامجية التي لم يعد لها وجود في الممارسة العملية. والأخطر من ذلك أنه ينسحب من أكثر وأكبر المواقع التي تحتاج إلى الرد على التحولات الرجعية، بذرائع من نوع "اعتماد العشائرية ووجود صفقات وصعوبات إدارية" وغير ذلك، متراجعاً عن دوره النقدي والاحتجاجي والدعوي ضد تلك المواقف، وضد الفساد، والإرهاب الفكري، وسط استعداد شعبي تتيحه الانتخابات. كان التعويل على "التحالف الديمقراطي" واتجاهات متقدمة من حركة "فتح" من أجل بناء بقع ضوء وسط الظلام، بقع مرشحة للاتساع والانتشار، في ظل ميزان قوى اجتماعي مختل لمصلحة الانغلاق. لم يكن بيرني ساندرز يحلم بالفوز على منافسيه لكن مواقفه المبدئية أحدثت فرقاً في صفوف نسبة من الأميركان تفوق ما أحدثه رالف نادر من قبله، ونجح في تقديم مواقف بديلة لمواقف الحزبين الكبيرين، خاصة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني / الإسرائيلي، حين كشف النفاق والكذب الأميركي الإسرائيلي. أمّا بعد، فقد مضى وقت تشكيل وتقديم القوائم، وتحققت تفاهمات مشتركة عشائرية وتنظيمية غير مسبوقة، وسُجل الإفلاس المشترك، والرؤية المحافظة المشتركة. النتيجة في محصلتها الأخيرة لم تعد خافية على أحد، ولم يبق غير صراع ديمقراطي حول المواقف والمفاهيم والأفكار والإدارات، لم يبق غير إعادة تشخيص مركبات التخلف والعجز، وكسب نقطة هنا ونقطة هناك، كي يتم الانطلاق منها لخوض معركة أخرى، فما أكثر المعارك التي نحتاجها لإعادة البناء والاستقطاب. [email protected]
الانتخابات المحلية: مزايا وإحباطات
تاريخ النشر : 2016-08-30 08:10
