نوى - مها شهوان
لم تعلم العشرينية "نجوى" – اسم مستعار- أن مصيرها سيكون الإقامة في مستشفى الأمراض النفسية للعلاج من "الشيزوفرينيا" التي تعانيها بعد زواج دام ثلاثة شهور تجرعت خلاله شتى أنواع العذاب الجسدي واللفظي من قبل زوجها ووالدته بحجة أنها أخفت عملية أجرتها في المفصل حينما كانت تبلغ من العمر أربع سنوات.
إخفاء الشابة "نجوى" وذويها عن العملية، لم يكن متعمدًا كونها أجريت قديمًا ولا يوجد لها أية مضاعفات، عدا بعض آثار العملية البسيطة، ومنذ علم الزوج بدأ يطالبها بكشف المزيد عن أمراضها التي راح يتخيل أنها مصابة فيها.
"يا عاجزة" تلك الكلمة التي كان يستخدمها الزوج في المناداة على امرأة يفترض أنها شريكة حياته، فكان دومًا يردد على مسامع والدته أنها لا تمنحه حقه الشرعي لعجزها وكان ينقل الأمر لذويها، بينما في حقيقة الأمر كانت طبيعية، لكن أوهامه جعلته يتخيل أنها مريضة، فتلك الضغوط دفعتها لطلب الطلاق بعد العنف الذي كانت تتلاقاه الأمر الذي أثر على نفسيتها كثيرًا وأدخلها في نوبات هستيرية جعلتها تسمع وترى أشخاص لا وجود لهم.
وضع "نجوى" النفسي دفع ذويها إلى اصطحابها للعيادات الطبية، ومن ثم تحويلها إلى مستشفى خاصّة بالعلاج النفسي، لتلقي العلاج اللازم وعدم ايذاء نفسها، لاسيما بعدما حاولت الانتحار عدة مرات للتخلص من حياتها.
الضرب والحبس
كثيرات هن النساء اللواتي يتعرضن للعنف سواء من قبل أزواجهن أو عائلاتهن ما يؤدي إلى إحداث أمراض نفسية لديهن، مع عدم اكتراث المحيطين، الأمر الذي يساهم في سوء أوضاعهن النفسية ويكون مصيرهن مستشفى الطب النفسي.
هنا حكاية، الشابة "سمية" التي أرغمت على الخروج من جامعتها والزواج من شاب لا يمتلك أي مؤهل علمي سوى المال، حاولت رفضه بكل الطرق لكن والدها أجبرها الزواج منه لتعيش أيامًا سعيدة برفقته كون "الرجال ما بعيبو غير جيبه".
انصاعت "سمية" إلى كلام والدها، رغبة في العيش حياة هانئة، واعتقادها امكانية اقناع زوجها بإكمال دراستها الجامعية، لكن على أرض الواقع كان الحال مختلفًا فقد كان يجبرها أن تستيقظ باكرًا وتذهب إلى خدمة والدته وفي حال تأخرت يقوم بضربها وسحبها إلى الشارع ليكمل عليها.
في كل مرة كانت تذهب لوالدها باكية حالها، يعيدها إلى زوجها ظنًا منه أن الحال من دون جدوى حتى أنجبت طفلًا، برغم ذلك استمر بضربها ومعاملتها بسوء ما دفعها إلى اللجوء لمشفى الطب النفسي.
بمجرد الاقتراب منها يظن البعض أن لديها تخلف عقلي كون مظهرها الخارجي يوحي بذلك لكثرة اهتزازها وقيامها بحركات غريبة تفعلها بوجهها كي تلفت أنظار من يقترب منها، فهي تعيش غالبية الأيام داخل المستشفى، لما تفتعله من مشاكل مع أفراد عائلتها والجيران، ليس لأنها مؤذية بل لاستفزازهم الدائم لها ونعتها بـ "الهبلة" فهي تشعر بالضيق كثيرًا.
لا يقتصر العنف الواقع على السيدات من قبل ازواجهن بل وأشقائهن أيضًا، كما حدث مع "سهيلة" حينما توفي زوجها عادت إلى بيت والدها برفقة طفليها، إلا أنها لم تنجو من مضايقات شقيقها. الذي كان يحبسها بعد ضربها في حال علم أنها خرجت من البيت، عدا عن نعتها بألفاظ نابية، وفي الوقت ذاته كان يتودد لها حينما يأتي موعد حصولها على راتب أطفالها الأيتام من الشئون الاجتماعية فقد كان يذهب برفقتها ويأخذه، تاركًا اياها تعيش على "الصدقات".
وفي محاولة هرب فاشلة، تأثر وضعها النفسي ما دفعها إلى صب لجام غضبها على أطفالها. وتلفت إلى أنها حاولت الانتحار بإلقاء نفسها من الطابق الثاني حتى سقطت أرضًا ونقلت إلى المستشفى وهناك أفصحت للاختصاصية النفسية السبب الذي جعلها تقدم على ذلك، خاصة وأن شقيقها يرغم أبناءها على مناداتها بـ "الهبلة".
بعدما تماثلت "سهيلة" للشفاء من كسورها، تم تحويلها إلى اختصاصية نفسية لمتابعة أوضاعها خشية الاقدام على فعلتها مرة أخرى، ولضمان استقرار حالها مكثت في مستشفى الطب النفسي شهور قليلة، للتخلص من حالتي القلق والاكتئاب وتتمكن العودة لبيتها ورعاية اطفالها بعيدًا عن عنف شقيقها الذي تعهد أمام الشرطة بعدم الاقتراب منها أو مسها بسوء.
الرعاية الأسرية
حكايات عديدة تنصت إليها عزيزي القارئ حينما تتجول داخل مستشفى الطب النفسي، فكل سيدة لها قصتها التي بمجرد أن ترويها تجد خلفها ظلم وقع عليها من ذوي القربى، مما أصابهن بأمراض نفسية أودت بهن إلى التفكير بالانتحار للتخلص من الحياة التي يعيشونها.
وفي الوقت ذاته ليست جميع النزيلات في المستشفى وحدهن يعانين أمراض نفسية نتيجة العنف الأسري الواقع عليهن، فهناك حالات كثيرة يتحرجن وعائلاتهن المجيئ للعلاج كون ذلك يعتبر وصمة عار ستلاحقهن.
تعقب أمل أبو دية الاختصاصية النفسية في مستشفى الطب النفسي على هذه القضية بالقول: "أغلب المريضات أصبن بأمراض نفسية بسبب سوء معاملة ذويهن أو ازواجهن (..) وكذلك عدم الوعي الكافي لطبيعة المرض الذي لحق بهن نتيجة الضغوط الحياتية".
وأوضحت أبو دية لـ "نوى" ، أن أغلب النزيلات يعانين "الشيزوفرينا" – انفصام الشخصية- فتتقمص المريضة شخصيات عدة وتتنكر لمرضها، عدا عن سوء احوالهن نتيجة اهمال الاهالي وعدم زيارتهن للاطمئنان عليهن.
وبينت أن حالات كثيرة يكون علاجها فقط دوائي وتتحسن، لكن الأهالي لا يكترثون لذلك ويضعهن بناتهن أما في المستشفى، أو يحبسهن في البيت خشية الفضيحة بدلًا من معالجتهن، مؤكدة أن تراجع الوضع النفسي لكثير من المريضات يعود إلى قلة الاهتمام والرعاية الأسرية.
حالات كثيرة تتعرض للضرب من قبل ذويهن حينما يشتد وضعهن النفسي ولا يستطيع الأهالي السيطرة عليهن، فيلجؤوا للضرب كوسيلة علاج لتهدأتهن، غير أن كثير من الحالات تفضل المجيئ للمستشفى بدلًا من البقاء في البيت دون رعاية – حسب قولها -.
وتطرقت أبو دية إلى أن، ثمّة عائلات ترفض الاعتراف بأن ابنتهم مريضة نفسية، فيأخذونها إلى شيوخ لمعالجتها ظانين بأنها "ممسوسة"، مشيرة إلى أنه حينما لم يجدوا نفعا يعيدونها إلى المستشفى لأخذ العلاج وتستقر حالتها.
وتنصح الاختصاصية الاجتماعية، باحتضان المرضى النفسيين خاصة الفتيات وعدم الشعور بالحرج بسبب وجودهن داخل العائلة، فهن لديهم حساسية عالية من نظرة ذويهن والمجتمع.
ودعت أبو دية، الاهالي إلى اختيار الزوج المناسب وعدم التسرع في زواج بناتهن، بالإضافة إلى عدم اخفاء أي مرض عضوي عند الزواج كي لا تفقد الثقة بين الطرفين وتكون النهاية الطلاق.
بات من الملاحظ أن سيدات كثر يخشين طرق أبواب عيادات الطب النفسي للبوح عن مشاكلهن مما يفاقم وضعهن النفسي ويصبن بحالات احباط واكتئاب، وفي حال تجرأن يكون عبر الخط الساخن التابع لمركز غزة للصحة النفسية.
