بين غزة وقرطبة.. تترنح الثقافة
تاريخ النشر : 2016-08-19 16:08

غزة-نوى-هاجر حرب:

يخرج المثقف الفلسطيني على استحياء من شرنقة الخمول  الذي ضرب أطناب الثقافة الفلسطينية، بكُتَّابها وشُعرائِها وأُدَباءِها وفنانيها، إلى حيز الواقع المعاش، رغم أنهم كانوا في السابق أكثر ارتباطاً بالشعب، إلا ان هذا الارتباط لم يعد موجوداً اليوم إلا من بعض ما أراد له الساسة أن يكون، ووفق الحدود التي رسموها لهم.

قطع الجبن

ثمة عوامل تصعدُ تدريجيًا لتبتعد  بالمثقفين  الفلسطينيين عن حالة الواقعية التي كان يعيشها محمود درويش وسميح قاسم وغسان كنفاني وغيرهم، فهم اليوم أقرب لقطع الجبن التي يسهل على السلطة ابتلاعها، وفق ما يرى الكاتب  الفلسطيني يسرى الغول.

الغول لفت إلى تراجع دور المثقفين في الحالة الفلسطينية بفعل ضعفهم، رغم محاولات البعض رفض الواقع، والإحساس عن وعي وعمق بإمكانية التغيير ، فحالة التناحر الفلسطينية والتفاف الأحزاب  حول  النخب الثقافية، لعب دوراً كبيراً في ترهل الحالة الثقافية .

وتابع" حتى الأجسام النقابية لم تعد بالمستوى المطلوب، لدينا رابطة هنا واتحاد هناك، وكل شيء منقسم على ذاته"، متابعاً " المؤسسات الحكومية ممثلة بوزارة الثقافة لدينا، منها اثنتان، فكيف لنا أن نرتقى بواقعنا الثقافي؟!.

ويرى الغول أن المعركة الوجودية مع إسرائيل لا تقف عند حد القنبلة والرصاصة، فهناك معركة من نوع أخر تتعلق بالهوية الثقافية للشعب الفلسطيني، متسائلاً عن مصير الحياة الثقافية الفلسطينية.

وجبات سريعة

الإنتاج الفكري والأدبي الخاص بقضية فلسطين واللاجئين وحق العودة، يعتريه القصور حسبما ترى الناشطة المجتمعية والإعلامية فاطمة أبو دياب، مؤكدة على تراجع القضايا الوطنية في الأدب والفكر الفلسطيني والعربي.

وترجع أبو دياب أسباب ذلك إلى اعتماد كثيرين على ما أسمته الوجبات السريعة والجاهزة للأفكار المعلبة، دون محاولة لتمحيصها أو استكشاف ما ورائها من دلالات، فلم يعد الكتاب مصدراً للمعرفة، والثقافة. وفق قولها.

وأضافت :"يتحمّل مسؤولية التراجع الفكري المجتمع الذي بات يفتقر لمد جسور التواصل بين عقول الشباب المثقف وبين مصادر المعرفة، لذا أطالب ببذل مزيد من الجهود لإعادة إحياء الحالة الثقافية، برمتها".

والمراقب للحركة الفكرية والأدبية في قطاع غزة، من السهل عليه رؤية تراجع التراث الفكري بما يحتويه من خلاصة للإبداع، وثمرة لعقول أعملت فكرها طويلاً للنهوض بالوطن الذي كان ينبت رغم النكبات المتعاقبة تلك الثمرات،  ليختفي كثير من الكتًّاب الفلسطينيين، وتتحول الثقافة بمشاربها كافة إلى ضرب من الرفاهية.

وتخطياً لحواجز الحصار الفكري، خرجت في غزة حالة فكرية شيدت وجهها المحاصر، ضمن مبادرة قرطبة، التي تحتضن جملة  من الشباب المثقفين الذين ركبوا قوارب الثقافة، سائرين نحو شواطئ الوعي والإدراك، استشعاراً منهم بضرورة إنقاذ الحالة الثقافية.

فعلى نغمات الموسيقى، التي تتملكك فور دخول مطعم قرطبة، المشيد بأبهي الزخارف الأندلسية، يجتمع الشبان والفتيات ممن لهم ميول ثقافية، لينفضوا عن أنفسهم عبء الضبابية التي تعيشها الحالة الفلسطينية، ليتجاذبوا أطراف الحديث في قضايا وطنية، وأخرى ذات أبعاد اجتماعية.

قرطبة حاضنة

عن قرطبة قال الكاتب يسري الغول، صاحب الفكرة :" نسعى لتشكيل حاضنة لتوجهاتنا وأفكارنا ورؤانا مهما اختلفنا أو اختلفت أهدافنا، شعارنا التعاون والبناء، والرأي و الرأي الآخر، دون التبعية لأحد أو الارتهان لأي مؤسسة رسمية كانت أو أهلية".

يوضح الغول أن الثقافة في فلسطين بلغت حدًا كبيرًا من التبعية التي عزلت تلك الحاضنة عن جوهرها وحقيقتها، وصار المثقف رهينة بيد الساسة، يؤمِّن خلف هذا أو ذاك من أجل الراتب أو المنصب".

وأكد أن الهدف من قرطبة هو استثمار الماضي من أجل الحاضر والمستقبل، وقراءة التاريخ، وفهم الفلسفات العالمية ومحاورة الفاعلين في المجتمع، وإيصال رسائل وحلول لكثير من الإشكالات التي تعيشها الأراضي الفلسطينية كي تكون هناك حالة حقيقية من التواصل بين القاعدة والقيادة، وبين المواطن المثقف والمفكر والمسؤول الذي ينتظر مخلِّصاً للأزمات المتراكمة. وفق قوله.

 وأمام حجب دخان الأزمات المتراصة  لكثير من  الطموحات الثقافية الفلسطينية، فإن  بصيص أمل لآفاق ثقافية أخرى لا زالت تترنح على عتبات الحالة الفلسطينية .