جهاد اكريّم .. هكذا قاتل سرطان الدم
تاريخ النشر : 2016-08-18 01:22

نوى - مرح الواديّة

"أنظروا إلى وجهه كيف يبدو شاحبًا، يا حرام، إنه مريض بالسرطان لن يقضي في الحياة طويلًا" تتردّد هذه العبارة على ألسنة أناس يظنّون أنهم يشفقون على مرضى السرطان، يقابلونها بعبارات تطبق على صدورهم أحيانًا، وأخرى تندفع من أفواههم بكلّ قوّة "ألا تفكّر أنك يمكن أن تموت قبل منّي؟"، "أنا حزين ولكن يجب أن أخفي حزني، سأواجه المرض إلى أن أشفى، لدي أمل".

"حتمًا سأهزم المرض وأنال منه، لن أدع له مجالًا ليتغلغل بنفسيّتي وأعيره اهتمامًا!" هكذا أحدث الفرق كلّه، وصار نموذجًا يحتذى به لكلّ من عرفه أو سمع عنه وقابله، بل ان أناس آخرين سعوا إليه طلبًا لمساعدة أبناءهم المرضى في تحسين نفسياتهم والنهوض بأنفسهم بعيدًا عن بؤس المرض. هو الشّاب جهاد اكريّم 24 عامًا، اختار أن ينتصر على سرطان الدم وقاتله بشراسة، إلى أن قرّر أن يصبح "مهرّجًا" يشكّل ملامح أطفال في ابتسامات وضحكات يحاول المرض أن ينال منهم.

بدت علامات المرض تظهر على جهاد في العام 2008، بعد عمليّة "زايدة" كشفت انتشاره، حين كان يبلغ من العمر 13 عامًا. المتابع لواقع قطاع غزّة يدرك جيدًا أن المشافي في القطاع تعجز عن توفير العلاج للمرضى أو حتّى توفير الرعاية المطلوبة، ما يدفع بالأطبّاء تمرير هذه الحالات إلى المشافي الاسرائيليّة داخل مناطق الخط الأخضر.

يروي لـ "نوى" قصّته التي امتلأت بالحياة منذ صغره، حيث بدأ المشاركة في الأنشطة الرياضيّة المختلفة السّادسة من عمره، إلى جانب محاولات أخرى في كتابة الشعر والالتحاق بالمسابقات الثقافيّة، والتمثيل في مسرحيات عديدة على خشبة مسرح مركز هولست الثقافي بالمدينة. هذا كلّه إلى أن انتزع المرض جهاد من وسط المسرح، والمدرسة، والشارع والمنزل، أخذ يجرّه بين العيادات والمختبرات الطبيّة والمشافي.

بدأ العلاج الذي استمرّ عامًا ونصف العام. جرعات كيميائيّة مكثّفة أسقطت شعره، إشعاع وزراعة للنخاع العظمي، طريق معاناة وآلام جسديّة ونفسيّة، تخلّلها منع للتحويلات الطبيّة استغرق نحو ثمانية أشهر قضاها جهاد بمشافي القطاع التي زادت حالته الصحيّة تعقيدًا بسبب ضعف الإمكانيات. وفي رحلة الشّفاء، كان وضع جهاد النّفسي سيئًا في البداية، إلى أن اختلفت نظرته للأمر. يقول: "ذات يوم اتصل بي والدي عبر سكايب كي أراه وبقية اخواتي الذين أكبرهم أنا سنًا. تفاجأت بهم جميعًا من دون شعر، حتّى أخواتي الإناث، فعلها أبي ليتضامن معي ويساويني فيهم وإن كان الأمر شكليًا"

يتابع أن هذا الحدث أعطاه دفعة قويّة بطاقة إيجابيّة تضاهي قدرة المرض على قتله آلاف المرّات. استطاع أن يشجّع نفسه ونجح في ذلك، كوّن صداقات كثيرة داخل المستشفى، أتقن اللغة العربية وصار دعامة يستعين فيها الأهالي لتقوية أبناءهم وتحسين نفسياتهم به كنموذج يحاول الانتصار على المرض بكلّ ما أوتي من شجاعة، من بينهم والدة شاب اكتشف أنه كان زميلًا سابقًا في المدرسة، جمعهما المرض مجدّدا، وأخرجتهما الإرادة في معًا ليعودا إلى غزّة بصحّة جيّدة.

في الظرف الصعب الذي مرّ به جهاد عرف ما يجب عليه أن يفعله بعدما شفي من سرطان الدم، إذ يعمل الآن كمنسّق لشؤون المرضى في مؤسّسة بسمة أمل لرعاية مرضى السرطان. ويوضح: "منذ سبعة أعوام وأنا أعمل كـأوّل مهرّج أرسم الابتسامة على وجوه مرضى السرطان من الأطفال وحتّى البالغين. إلى جانب التهريج، عدت بالعمل كممثل ولكن هذه المرّة بمسرحيات تخص المصابين بالمرض اللعين، تحاكي أوضاعهم قبل الإصابة وخلال العلاج وبعد الشفاء أيضًا تحت عنوان رغم الألم سيبقى الأمل". وعن شعوره: "أحبّ ما أفعل وأشعر أنني طائر حر يحلّق بالسماء كنجم عليه عيون كثيرة، الجميع ينظر إلي وهو فرح ومبتسم، وهذا ما أريده وسأتمنى أن يدوم إلى أن يشفى جميع الأطفال" - حسب تعبيره -.

أمّا عن تكاليف العلاج التي أنهكت ذويه يلفت إلى أن نحو 60 ألف دولار أمريكي كلّفت والده الذي يعمل بأجهزة السلطة  خلال عامين فقط، عدا عن التكاليف الجارية في شراء بعض الأدوية. ويشكو جهاد قلّة الدعم المفترض أن يستهدف المصابين بالسرطان كأوّل الفئات في المجتمع، لافتًا: "جميع التبرّعات والأموال تذهب لصالح الأيتام، بينما لا أحد يكترث لمرضى السرطان وما يحتاجون لا جهات مسئولة ولا غير مسئولة"، مطالبًا الجهات المعنيّة بالسعي جديًا إلى الاهتمام بفئة المصابين بالسرطان "المهمّشة" ماديًا ونفسيًا – وفق قوله -.