على مقياس «سيرجو ليون»، مخرج فيلم الكاوبوي الأميركي، «الجيد والسيئ والقبيح»، هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية في تشرين الثاني من هذا العام، تشبه شخصية «تكو»، السيئ، الذي لعب دوره الممثل «إيلي ولاش»، بينما يشبه دونالد ترامب، منافسها الجمهوري، شخصية «سيتنتيزا»، الكريه، التي جسدها الممثل «لي فان كليف». كلينتون سيئة لأنها مرشحة أصحاب الشركات والمؤسسات المالية في أميركا، وسياساتها حال نجاحها لن تكون أكثر من تعبير عن مصالح هذه الشركات. بيرني ساندرز، الذي خسر الانتخابات التمهيدية لصالح كلينتون، كان محقاً: كيف يمكن لمن يتقاضى 120 ألف دولار من رجال أعمال لقاء محاضرة مدتها ساعة، ولمن تدفع هذه الشركات تكاليف حملته الانتخابية المقدرة بمئات الملايين أن يتخذ قرارات تخالف مصالح داعميه. بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، كلينتون حققت دخلاً قيمته 21 مليون دولار من «محاضراتها» منذ تركها لموقع وزير الخارجية العام 2012، وعلاقاتها بأصحاب المصالح بدأت منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي عندما كان زوجها (بيل كلينتون) حاكماً لولاية أركنساس، بينما كانت هي في مجلس إدارة واحدة من أكبر الشركات الأميركية الـ «ول مارت». عندما يكون الرئيس الأميركي تحت تأثير لوبيات الضغط، أو جماعات المصالح، لا يمكن الثقة بسياساته. بعكس أوباما، الذي قاوم كل الضغوط التي مورست عليه لوقف اتفاقه مع إيران لأنه لم يعتمد في تمويل حملته الانتخابية على جماعات المصالح. سياسات كلينتون ستكون محكومة بمصالح هذه الجماعات ابتداء من اللوبي الإسرائيلي الذي يطالبها بتقديم كل دعم مالي وسياسي ممكن لإسرائيل، وانتهاء باللوبي النفطي الذي يطالبها بمواقف تتماهى مع سياسات دول عربية بعينها في سورية والعراق واليمن. ليس صحيحاً أن كلينتون هي وريث لسياسات أوباما على الرغم من ادعائها ذلك لكسب أصوات الأميركيين الأفارقة. كلينتون أقرب إلى جورج بوش الابن في سياساتها الخارجية. هي أيدت احتلال العراق عندما كانت عضو مجلس شيوخ. وهي لم تنتقد إسرائيل على مواقفها الرافضة للسلام مع الفلسطينيين عندما كانت وزيرة للخارجية. وبالرغم من دفاعها عن الاتفاق مع إيران بعد توقيعه، إلا أنها كانت من الصقور الذين يرفضون محاورة إيران وهو من الأسباب التي دفعها لمغادرة وزارة الخارجية. وفوق ذلك، كلينتون كانت من المدافعين عن التدخل العسكري في ليبيا، ومن الداعين لتدخل عسكري مماثل في سورية. كلينتون سيئة ليس فقط لسياساتها المتوقعة، ولكن للرمزية التي تمثلها. البعض يركز على أنها أول امرأة أميركية قد تصل للبيت الأبيض. لكن هذه الرمزية هي الأقل أهمية من بين الرموز الأخرى التي تمثلها كلينتون. كلينتون ترمز إلى عصر تحولت فيه أميركا إلى دولة تحكمها عائلات. عائلة بوش حكمت أميركا 12 عاماً، ولو فاز ابنهم «جيب بوش» في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، ربما لحكمت العائلة 16 أو 20 سنة. بالمثل، عائلة كلينتون من المرجح أن تحكم أميركا 12 أو 16 عاماً. كلينتون سيئة، لكنها ليست قبيحة. هي قادرة على تغليف سياساتها وقناعاتها بمفاهيم ديمقراطية وإنسانية. قد تقصف سورية باسم حماية الشعب السوري، قد تدعم نتنياهو باسم حماية الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، لكنها بالتأكيد لن تقول للعربية السعودية بشكل مباشر إذا أردتم دعمنا لسياساتكم في سورية عليكم أن تدفعوا لنا مقابل ذلك. هذه القباحة السياسية التي تفتقد لأية لباقة يمثلها ترامب الذي لا يمثل مصالح الشركات الأميركية، ولكنه أحد مالكي هذه الشركات. هو لا يحتاج إلى جماعات ضغط للحصول على ما يريد، لأنه سيحصل عليه دون وسيط. قباحة ترامب تتمثل أولاً في عنصريته. هو يكره المسلمين والأميركيين اللاتينيين، والأميركيين الأفارقة، وهو يجاهر بكراهيته لهم. المسلمون بعمومهم إرهابيون (مليار ونصف المليار مسلم). المكسيكيون مجرمون ومغتصبو نساء، الأميركيون السود مجرمون يقتلون الشرطة. قباحته أيضاً تكمن في المستوى المتدني لثقافته وفي عدم قدرته على التعلم. بحسب رسالة وقعها أكثر من خمسين شخصية أميركية من الحزب الجمهوري، مشكلة ترامب لا تكمن في ضحالة فهمه للعالم فقط، هذا يمكن التغلب عليه إذا ما أراد التعلم، تقول الرسالة، ولكن المشكلة تكمن في أنه ضحل وليس على استعداد أو غير قادر على التعلم. ربما هم يقارنون بينه وبين جورج بوش الابن، لأن جميع موقعي الرسالة خدموا في رئاسته. بوش الابن كان ضحلا وسطحيا، لكنه كان على استعداد للالتزام بما يقال له. ترامب لا يمكنه ضبط نفسه بالامتناع عن الخروج عن النص. هو إذا، تخلص الرسالة للقول: كشخص غير ملائم للرئاسة (does not fit). ترامب قبيح لأنه يكذب في كل شيء. الفلسطينيون، بحسب تصريح له، يربون أبناءهم على قتل الإسرائيليين منذ الطفولة. باراك «حسين» أوباما، مشدداً على الاسم الأوسط للرئيس الأميركي للقول إنه «مسلم» هو من أنشأ داعش بحسب مقابلة له على فوكس نيوز. اتفاقات التجارة العالمية لا تفيد أميركا ولكن تفيد خصومها. ترامب أيضاً قبيح لأنه لا يقسم العالم على قاعدة هؤلاء حلفاء وهؤلاء خصوم؟، وهو شيء يمكن فهمه في عالم السياسة السيئ، ولكن على قاعدة من هو ليس «أميركيا أبيض» هو عدو لأميركا. حتى الأوروبيين ضمن تقسيمات ترامب هم أعداء عليهم أن يدفعوا مقابل حماية أميركا لهم. ترامب قبيح لأنه خطر على العالم، خطورته لا تكمن فقط في أنه رجل ضحل بلا قلب أو ضمير سيكون مسؤولاً عن ترسانة نووية، ولكن في فكرة أن شخصاً بهذه المواصفات يمكنه الفوز بترشيح حزبه وربما أيضاً الفوز بالرئاسة. هذه ستكون سابقة ستجعل العالم أكثر بؤساً وأقل أمناً بالتأكيد. بين السيئ والقبيح تنحصر خيارات الأميركيين، ومعها أيضاً تنحصر خيارات شعوب عديدة مستقبلها يتوقف على سياسات أميركا.
انتخابات أميركا: بين السيئ والقبيح
تاريخ النشر : 2016-08-12 12:05
