غزة-نوى-فداء حلس:
مع اتساع استخدام المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة للبطاريات كبديل عن الانقطاع المستمر للكهرباء، ازداد تعرّضهم لمادة الرصاص التي تدخل في تكوين البطاريات، وهي من أكثر المواد خطورة على صحة الإنسان، فمؤخرًا كثرت ورش تدوير البطاريات وإعادة صهر الرصاص، والتي يتعرض العاملون فيها لملامسة مادة الرصاص، واستنشاق بخارها.
تسبب الوفاة
المواطن عز الدين هنية من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة يتحدث بغصة وحزن عن وفاة والده "كمال هنية" الذي كان يعمل على مدار 33 عامًا في إعادة صهر مادة الرصاص منزليًا دون توفير أدني المعايير للسلامة المهينة.
يوضح أن والده كان يعمل في نسج شباك الصيادين، ما يعني تعرّضه لصهر الرصاص بشكل يومي، فكان دائمًا ما يصاب بآلام البطن "المغص" والتقيء دون علم العائلة أنها أعراض التسمم بالرصاص.
"في أيام الشتاء كانت غالبية عملية صهر الرصاص تتم داخل المنزل والدخان ينبعث في كافة أنحائه ويطال الجيران أيضًا، كنا نضع الشاي على النار المشتعلة أثناء عملية الصهر فيغلى بشكل سريع جدًا"، هكذا وصف هنية تعاملهم اليومي مع الرصاص المنصهر.
يتابع :" أخواتي جميعًا كانوا يعلموا مع والدي حتى والدتي؛ وبعد وفاته أجرينا فحوصات طبية في مصر، خاصة بعد أعراض طرأت على والدتي من تعب ووجع في المعدة بشكل متواصل، لكن لم تصل النتائج حتى الآن".

مخاطرها الصحية
من الناحية الطبية فمادة الرصاص مهمة للصحة، لكنها إذا زادت عن حدها تؤدي لأضرار على حياة الإنسان لأنها تدخل في تركيب أجزاء كثيرة من الجسم ، حسب تأكيد د.عصمت أبو عساكر استشاري الأطفال.
يوضح أن الرصاص يعرّض المرأة الحامل للإجهاض وولادة جنين ميت أو ولادة مبكرة وانخفاض وزن المولود وربما تشوهات خلقية للجنين، كما يخلّف أضرارًا طويلة الأجل على البالغين، ومنها زيادة مخاطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم والفشل الكلوي، وقد تصل الآثار أحيانًا إلى حدوث تخلف عقلي كامل للأطفال في حال ارتفاع مستويات تركيز الرصاص في الدم.
يضيف أبو عساكر أن أعراضًا حادةً ومزمنة تظهر على الشخص المصاب بالتسمم بالرصاص؛ أخطرها عند تسربها للعظام؛ فتؤثر على خلايا الدماغ ونموّه، بالإضافة إلى مشاكل في الجهاز الهضمي ونوبات من الإمساك وآلام شديدة في البطن والتقئ الشديد، وتأثيرها أيضًا على الأعضاء الحيوية كالقلب والرئتين والكلي.
وقدّم أبو عساكر نصائح للتقليل من حدته وأولها توقيف مصدر الخطر حتى يتسنى تقديم العلاج اللازم ولكنه يستغرق وقتًا طويلًا.
يشار إلى أن الرصاص مادة تراكمية سمّية تؤثر على العديد من أجهزة الجسم وتلحق الضرر بوظائفه، وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية WHO إلى أن معدل تعرض الأطفال للرصاص يسهم سنويًا في إصابتهم بنحو 600 ألف حالة جديدة من العجز الذهني على مستوى العالم، إضافة إلى أن التعرض للرصاص يستأثر بمعدل وفيات قدره 143 ألف حالة وفاة سنويًا عبر العالم معظمها في الدول النامية.

الافتقار للسلامة
سلطة جودة البيئة أطلقت برنامجاً للحد من الآثار الناتجة عن استخدام الرصاص، فشكّلت طواقم فنية لمتابعة ورش تدوير البطاريات، وطلبت من البلديات قوائم بالورش والمصانع العاملة بهذه المهنة.
وأكدت خطورة التعامل المباشر مع الرصاص دون أخذ الاحتياطات الآمنة اللازمة لهذا الأمر، حيث تسبب مادة الرصاص مجموعة من الآثار الصحية وفق ما أفاد بهاء الدين الأغا مدير عام حماية البيئة في سلطة جودة البيئة.
أما بالنسبة لإغلاق المصانع والورش التي لا تتوفر فيها معايير السلامة المهنية يقول الأغا أنها مسؤولية البلديات ووزارة الاقتصاد لأنها هي من تمنح التراخيص وليس سلطة جودة البيئة فهي جهة رقابية.
وفيما يتعلق بالبطاريات المستخدمة في المنازل يؤكد أنها غير ضارة إلا إذا تم فتحها وملامستها لجسم الإنسان.
يقول الأغا إنهم بصدد إصدار دليل في الاشتراطات البيئية تتضمن إجراءات السلامة للحفاظ على العاملين وللتخفيف من خطورتها، مشيرًا إلى أنهم بانتظار الموافقة حتى يتم توزيعه على الجهات المختصة منها وزارتي الزراعة والاقتصاد ونقابة الصيادين.
ينوه إلى أن الفترة المقبلة سيتم تنفيذ حملة توعوية تستهدف كافة الجهات ذات العلاقة بمن فيهم أصحاب الورش وستنتهي بحملة لضبط الورش والمصانع المخالفة.

