مسارح غزة تنتعش بالكوميديا السوداء
تاريخ النشر : 2016-07-22 20:30
جانب من مسرحية آخر العنقود

غزة-نوى:

عروضٌ عديدة شهدها المسرح الفلسطيني في قطاع غزة مؤخرًا؛ كان آخرها مسرحية آخر العنقود لمخرجها علي أبو ياسين؛ قدم الممثلون فيها مجموعة من النماذج تحاكي الواقع الذي يعيشه أغلب سكان قطاع غزة وسبقها عرض "خارج الصندوق" والذي تطرق لقضية العنف ضد المرأة.

تجسيد الواقع

يؤكد الكاتب المسرحي د.عاطف سلامة أن غالبية الأعمال المسرحية في قطاع غزة هي تجسيدٌ للهم اليومي للمواطن، ولا يمكن أن تنفصل عنه وإلا انفصلت عن المجتمع؛ سلامة وهو كاتب مسرحية آخر العنقود يؤكد أنه استوحى شخصيات العمل من مختلف شرائح المجتمع حيث نجح فريق العمل المكوّن من 17 شخصًا في تجسيد المشاكل الاجتماعية والسياسية المتراكمة.

تدور أحداث مسرحية "آخر العنقود" حول عائلة تعيش وضعًا ماديًا سيئًا، فابنهم وسام وهو آخر العنقود ويجسد شخصيته الفنان إيهاب عليان "21 عاماً" ؛ خريج جامعي يعاني من البطالة إلى جانب إخوته الذين يعانون ذات المشكلة.

يحاول وسام مساعدة أهله لتحسين وضعهم بأي طريقة؛ لكن جميع محاولاته تكون فاشلة وتسبب وقوعه بمصائب ومطاردة مع الشرطة، خلال الأحداث تظهر الشخصيات الأخرى وتتنوع بين الرجل المتسلط واللاجئ والمرأة المعنفة و"العانس" ليقدم المخرج حال الأسرة الفلسطينية التي تكالبت عليها كل الظروف الصعبة في قطاع غزة من فقر وحصار وحروب متتالية.

يقول سلامة:" العمل طرح مجموعة من المشاكل وقدمها بشكل كوميدي ساخر كالبطالة والعنوسة والفقر وواقع المرأة وغيرها "، مضيفًا أن محاولات البعض تقديم عروض مسرحية مضحكى لا تلقى صدىً لأنها منفصلة عن الواقع؛ عكس العروض التي تُضحك الجمهور على ما يبكيه من هموم يومية.

رسائل

رغم أن الحركة المسرحية في قطاع غزة ليست جديدة، لكن كغيرها من الفنون تتعرض لانتكاسات خصوصًا مع غيابها القسري عن المشهد الفلسطيني نتيجة تراجع الاهتمام بالمسرح ومحدودية الدعم، لكن يصرّ المسرحيون على تقديم فن يحمل الرسائل الوطنية ويقدم الهم الفلسطيني بلسان الناس ويعبر عن آمالهم وطموحاتهم.

يبدأ المخرج المسرحي علي أبو ياسين حديثه:"أعطني مسرحًا أعطيك شعبًا مثقفًا"؛ في إشارة إلى أهمية المسرح في التأثير في الجمهور، وتقديم الرسائل السياسية والاجتماعية من خلاله، إذ يتلقاها الجمهور وهو يضحك وتؤثر فيه أكثر من الخطابات السياسية.

يتحدث المخرج أبو ياسين عن مسرحية روميو وجولييت أنها عبرت عن صراع الحب والكراهية  وحاولت ملامسة الواقع في فلسطين عبر قصة حب كلاسيكي تدور أحداثها في غزة، ويكمل:"إنها مبضع في جسد الانقسام واستعارة للواقع السياسي والثقافي والاجتماعي حيث تُداس أحلام الناس والشبان الذين يفقدوا الأمل وفي النهاية يغادروا غزة".

حاولت المسرحية أن تحمل الرسائل للمواطن والسياسي لتقول أنتم المسئولون عما آل إليه حال الناس؛ خصوصًا الشباب بسبب الانقسام السياسي الذي تجاوز الفصائل وقسّم الأفراد والعائلات وفتت علاقاتهم.

في الغالب تدعم الأعمال المسرحية وتمول من قبل جهات خارجية؛ وحسب الممثلة المسرحية وسام ياسين فإن العمل في هذه الحالة يقدّم رؤية المانح وليس فكرة وشعور الكاتب والمخرج وإذا انقطع هذا التمويل انتهت العملية المسرحية.

على صعيدها الشخصي شاركت وسام بعمل مسرحي ممول لكنها انسحبت أثناء "البروفات" بعدما شعرت بأن ما يُقدم يخالف قناعاتها رغم الأجر الكبير، لكنها تؤكد أن إيمانها برسالة المسرح الوطنية فوق أي اعتبار.

وسام جسدت شخصية أم عفيف في "آخر العنقود" أكدت حاجة المسرح الفلسطيني للدعم والتمويل المحلي لتقديم رسائل وطنية في المقام الأول.

كثافة إنتاج

نظرة سريعة على حركة النشاط المسرحي مؤخرًا؛ نجد قطاع غزة يمتلك العديد من التجارب الإبداعية على مستوى الرسالة والأداء؛ خاصة مع وجود جيل من الموهوبين الشباب.

في "مونولوجات غزة"؛ كانت المفاجأة، واحدٌ وثلاثون طفلًا وطفلة قدمهم المخرج علي أبو ياسين للجمهور على خشبة مسرح المسحال؛ رووا بموهبتهم حكاياتهم عن أنفسهم ومجتمعهم ورؤيتهم للحياة قبيل الحرب وبعدها، قبيل الانقسام والحصار وحاليًا، فتحوا نوافذ أشبه بالحالات الصوفية عن الرجاء واليأس، الأمل والخيبة، الرضا والسخط، وعن الأمنيات الجميلة والقلوب الحزينة.

تحمل غالبية العروض المسرحية الأخيرة صفة الشأن العام فتتناول قضايا النساء بخلاف مسرحية "خارج الصندوف التي وصفتها بطلتها وسام ياسين بأنها "نخبوية" وقالت عنها:"فيها رسائل محددة جدًا ومتنوعة، لكنها تدور تحت عنوان المرأة والعنف الممارس عليها من كافة فئات المجتمع حتى من المرأة نفسها".

تضيف وسام أن المسرحية عبارة عن مجموعة مشاهد مختلفة وشخصيات تتغير من مشهد إلى آخر فتنقلت بين شخصية أم الزوج المتسلطة والزوجة المظلومة والأخرى الحامل والخريجة التي تبحث عن وظيفة وهكذا حتى خرجت المسرحية بإيقاعها السريع ورسائلها النوعية.

شباك تذاكر

الحاجة للتمويل المحلي أو الذاتي للأعمال المسرحية هي التي تؤسس لثقافة شباك التذاكر التي يرغب المخرج أبو ياسين في تحقيقها ليقف المواطن يقطع تذكرة ويدفع مبلغًا رمزيًا مقابل استمتاعه وضحكه فيشعر بقيمة العمل أكثر.

يقول المخرج أبو ياسين" شباك التذاكر واستمرار العرض لشهور كما آخر العنقود التي ستستمر لنهاية العام هو الذي يضمن تمويلًا ذاتيًا للعمل واستمرارية في العرض".

أما الكاتب سلامة فأكد أن الحركة المسرحية في قطاع غزة عجزت عن إنتاج أعمال كبيرة ومهمة بسبب غياب المؤسسة الثقافية الداعمة في حين قامت بعض الجهات الخارجية بتمويل بعض الأعمال المسرحية؛ لكن للأسف كان الهدف تهويد الثقافة الفلسطينية وتخريب التراث والمسرح وحرفه إلى طريق تبتعد عن ملامح الهوية الفلسطينية.