غزة-نوى-دعاء شاهين:
بين أزقة مخيم جباليا بقطاع غزة تجلس سمر ذات العينين اللوزيتين، والفم الصغير والأنف المفلطح والشعر الناعم المتطاير مع صوت تصفيق يداها الصغيرتين على نافذة منزلها، محاولة التفاعل مع أبناء الجيران الذين يلعبون أسفل منزلها، حيث فرض عيلها المجتمع أن لاتشاركهم المرح كونها صاحبة مرض متلازمة داون.
تهميش وعزلة
تقول والدة سمر عن وجود شخص من ذوي متلازمة داون ضمن أسرتها:" لم يكن تقبل الأمر سهلاً في البداية، وقد مرت الأسرة بكاملها بمرحلة عسيرة كان التعامل معها غاية في الصعوبة على الصعيد النفسى والجسدى وأخوتها والمجتمع حولى".
التهميش، العزلة، نظرة المجتمع المعنِّفة؛ جلعت مرضى متلازمة دوان يعيشون بدائرة مغلقة مع ذويهم ليدفعوا ثمن حياة لم يكن لهم ذنب فيها، حاولت الأم دمج ابنتها في المجتمع؛ لكنها فشلت عندما لم تجد التقبّل الكافي ممن حولها، فنظرة الشفقة لم تتوارى عنهم؛ وقد رفضت الأم ذلك لابنتها.
تروي الأم بمرارة الصعوبات التي صفعها بها المجتمع؛ فحين تتقدم الخاطبات لطلب إحدى شقيقات سمر، ينتهي الأمر بالرفض لوجود شقيقة "منغولة" حسب نعت الناس لهذه الحالة، ناهيك عن معايرة بعض الجارات، فتضطر الأم لإخفائها عن الناس وعدم السماح لها بالخروج من المنزل.
وتحدث متلازمة داون نتيجة خلل في الكروموسومات، حيث يولد الطفل المصاب مع 47 كروموسومات بدلًا عن 46، لتضاعف الكروموسوم 21، وتعرف أيضًا بمتلازمة تثلث الصبغي 21، ولا توجد إحصائيات دقيقة حول أعداد المصابين بالمرض في قطاع غزة، ووفقًا للمركز الإحصائي الأمريكي عام 2004م بلغ عدد المصابين بمتلازمة دوان (1656) طفلاً بالقطاع.
عنف مجتمعي
بابتسامته البريئة وروحه المرحة يقف "أحمد " الفتى العشرينى المصاب بمرض متلازمة داون، أمام بيته بالشيخ رضوان بغزة، ومعه بعض السكاكر للبيع.
لكنه لم يسلم من مضايقات أبناء الجيران له ومحاولة انتزاع السكاكر منه بالقوة معتبرينه "مجنونًا"، ولم يكن الموقف سهلًا على والده الذي سارع بإعادته للبيت.
يقول أبو أحمد بعيون يملؤها الحزن: "أحمد شخصية مرحة وليس مجنونًا؛ هو فقط يعانى من مرض نسبة التخلف به متوسطة "، متابعًا أنه أخرجه من المؤسسة التى كانت ترعاه منذ طفولته علّه يعتمد على نفسه ويشعر بالمسؤولية حتى يشعر بالكآبة، لكن المجتمع لم ينصفه وقابله بالسخرية.
شعور بالعيب أو العجز، وأحيانًا شعور بالذنب يسيطر على أهالى مرضى متلازمة داون، لأنهم لم ينجبوا طفلاً صحيح البنية والعقل.
يستنتج من خلال حديث أبو احمد الذى أضاف فيه "أريده أن يبقى ابنى بالبيت ولا يخرج لوحده لحمايته من العنف المجتمعى الذى يواجهه ،وأحاول افتخر به كون الولد الوحيد عندى لكنى لا استطيع ففرحتى به منقوصة".
ليس شرطًا أن يكون العنف الموجه ضد مرضى متلازمة داون جسديًا، فالنظرة القاسية في مجتمع لم يتوقف عن جلدهم بسوط الحرمان من الكثير من الحقوق أيضًا عنف، رغم أن الكثير منهم كوّنوا قصص نجاح.
جهل بالمرض
في مقابلة معه يقول مدير البرامج في جمعية الحق في الحياة نبيل جنيد؛ إن وجود طفل دوان في الأسرة ليس بالأمر السهل، وقد تمر بمرحلة صعبة في البداية، لذا تأتي أهمية التدخل المبكر الذي يساعدها في معرفة كيفية التعامل معه، مبينًا أن الجمعية تعمل على رعايتهم منذ الولادة من أجل مواصلة حياتهم الاجتماعية.
يؤكد كذلك أهمية الدعم النفسي للأسرة في عملية التقبل؛ لإخراجهم من حالة الصدمة والإنكار، مشيرًا إلى الطريقة الفجة التي يستخدمها بعض الأطباء في نقل دون مراعاة العامل النفسي للأهل؛ ما يؤدي إلى صدمة لا تزول آثارها إلا بعد مدة طويلة.
وعن دور المؤسسة لمواجهة العنف الذى يتعرض له مرضى متلازمة داون أن الجمعية تنظم ورش ومحاضرات بالتعاون مع كليات الطب والأطباء لتسليط الضوء على هذه النقطة وآلية إخبار الأهل والعامل النفسي لهم.
ويكمل أن هناك أنشطة وحملات توعية على مدار العام؛ تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع لنشر الوعى فى كيفية التعامل مع هذه الفئة؛ خاصة فى المناطق المهمشة التي تعاني أكبر نسبة عنف بحق مرضى هذه الظاهرة بسبب الجهل بالتعامل معهم.
ويؤكد أنه لا يجب أن يقف دور المجتمع عند إحقاق حقوق هذه الفئة، بل التصدي لكل من يحاول النيل من كرامتهم.
بدوره يؤكد د.كمال الجعيفي المختص بمتابعة ذوي متلازمة داون بضرورة معاملة هذه الفئة معاملة خاصة لأنهم أكثر الناس حساسية وشعور تجاه المواقف الحياتية .
يشرح المرض بأنه عبارة عن مرض خلقي ناتج عن خلل بالكروموسومات التي تكون زائدة عند المصابين، وأن نسبة الخلل لدى الرجل لإنجاب أطفال مصابين تمثل 10% بينما تبلغ النسبة 90% لدى المرأة ، ولا يمكن اعتباره مرضًا وراثيًا.
يؤكد الجعيفي أن العمر عند الإنجاب والبيئة الخارجية لا علاقة لهما بإنجاب أطفال متلازمة داون، خلافًا لما يشاع؛ موضحًا وجود حالات ولادة لهذا النوع من الأطفال لسيدات في عمر الثامنة عشرة.
في قطاع غزة يولد يولد من بين كل 800 طفل عادي مصاب واحد بمتلازمة داون، كما يؤكد الجعيفي الذي يؤكد أن وجود ما يقارب 3500 حالة ليست مقياسًا لاعتبار هذه الحالات كثيرة.
