هروب من نار الأهل إلى جحيم الزوج
تاريخ النشر : 2016-07-16 23:28

غزة-نوى-منى حجازي:

كلما تقدم العمر بخطواته، ازدادت الفتيات عقلًا ووعيًا واهتمامًا بكيانها وشخصيتها، ما يجعلها تتجاوز ما قد يعترض طريقها ويسلب جمال الأشياء فيها، لكن بعضهن ما زادهن العمر إلا انطفاءً وذبولًا، حين جعلن أقوال المجتمع مسلّمات تدفن أحلامهن البيضاء، وتحيلها إلى رمادٍ داكن لا روح فيها.

زواج من مسنّ

النماذج في المجتمع كثيرة لشابات تزوجن في سن متقدمة، خضن تجربة أليمة لانتهاك حقوقهن، ونماذج أخرى لشابات صنعن تجاهلن تدخلات المجتمع في حالتهن الاجتماعية وانطلقن نحو الحياة.

الأربعينية "س.م" لم يكن لديها خيار سوى الزواج من رجل مسن، بعد قرار إخوتها الأربعة بيع بيت العائلة عقب وفاة الوالدين، وإجبارها المبيت عند واحد منهم كل أسبوع، بل وجدت من خدمة الرجل الكبير ميسور الحال أهون بكثير من أنت تظل خادمة لمن هن في عمرها ولأولادهن، وفق تعبيرها.

تضيف: "بعدما سجن شقيقي الأكبر بتهمة النصب والاحتيال وتراكم الديون عليه، طلب بيع البيت الذي أسكنه وشقيقي الأصغر وزوجته، لسداد الديون، وأجبروني على التنقل في كل أسبوع بين بيوتهم، فكان دوري مساعدة زوجاتهم في أعمال المطبخ وتربية الأطفال، فلا راحة ولا استقرار، عندما تقدم لي زوجي وهو كبير يبلغ من العمر 70عامًا وافقت على مضض حتى لا أشعر بأنني عالة على أحد".

أما معلمة علم الاجتماع "ش .ح" فلم يكن الاتصال بها والحديث معها، سهلًا فالكثير من الإجراءات الأمنية – إن صح التعبير- كان علينا فعلها لكي نصل إليها دون علم من بالبيت، فهي رغم راتبها الذي تجاوز 400$  إلا أنها لا تملك هاتفًا أو وسيلة اتصال أخرى مع العالم الخارجي!

تقول في مستهل حديثها، بعد تنهيدة بحجم بؤسها: "تزوجت وعمري 39 كزوجة ثانية لرجل يبحث يبحث عن موظفة تنفق عليه وعلى أولاده وزوجته الأولى، اعتقدت أن البنت ليس لها سوى بيت زوجها، أجبرني إخوتي وأعمامي بحجة أني كبرت في السن".

تضيف: "وافقت بعد الضغط؛ فكان شرط زوجي  أن يكون راتبي بأكمله معه، ولا يعطيني سوى المواصلات، تحملت في البداية لكنني كلما طلبت منه شراء أثاث للبيت يرفض بحجة حتى لا تغار الأولى، إلى جانب مماطلته السماح لي الذهاب لطبيبة لمعرفة سبب تأخري بالحمل وكأنه لا يريدني سوى خادمة وبنك للمال".

خدوها على السكت!

لكن "ج.ق" (37 عاماً) التي رسمت لنفسها صورة بيضاء تضم فستانًا أبيضًا وورود، وأصوات فرح وغناء تملأ البيت؛ وضجيج التهاني كالأجواء ذاتها التي تزوجت بها مؤخرًا ابنة الجيران، لكنها اصطدمت بكآبة الطقوس، حينما رفض أهل الزوج إقامة حفلة زواج لها بصالة، والاكتفاء بحفلة صغيرة بدون مكبرات صوت للأغاني بحجة كلام الناس، فعند فرحتها قالوا"خدوها على السكت"، وعند فرحة بناتهم يتغير الأمر، فحرمانها لتقدم عمرها من أن تقيم حفلًا وتلبس البدلة البيضاء، وتدعو الصديقات إلى حفلتها دون الخجل والشعور بالنقص، أن تعيش أجواء الفرح بعد أعوام من الانتظار والحلم، ظل حلمًا كما كان..!

ليس ببعيد عن أوجاع مثل هذه القصص، وفي واقع يحتم على الفتاة أن تكون رهينة إملاءات ومعتقدات ترغمها على الزواج وإن كان فيه الموت لكرامتها وحقوقها، فمثلٌ كـ"آخرة البنت لدار جوزها" أجبر الكثيرات على تذوّق مرارة هذه التجارب.

الشابة إسلام 28عامًا- تقدم لها أكثر من خطيب خلال دراستها، لكنّها كانت منشغلة بالتحصيل الدراسي، إضافة إلى أنّهم لم يكونوا في المستوى الذي يرضي طموحاتها وأحلامها، موضحةً أنّها بعد أن اقتربت من أبواب السادسة والعشرين بدأت تحلم بزوج مناسب، إلاّ أنّ ما تراه مناسبًا يتعارض مع يريده أهلها؛ مما جعلها تنتظر مثل باقي الفتيات في عمرها.

لكنها بنبرة الثقة والأمل، تضيف: "أنا مؤمنة أنّ الزواج قسمة ونصيب، ويومًا ما سوف يطرق بابي النصيب"، متمنيةً أن يحمل معه ما تتمناه هي وما يرضي أسرتها، كاشفةً عن مخاوفها المتكررة سنويًا، والشعور بالإحباط الذي يتسلل بين آمالها، إلاّ أنّها تعود مجددًا إلى حيويتها وتمارس حياتها بشكل طبيعي.

 

فيما تقول الشابة "أ. س" 33عاماً، بالبداية كان تأخر زواجي يقلقني، ويسبب لي الإحراج عندما كنت أقابل من هن بعمري وأصبحن أمهات، لكن مع الوقت زاد إيماني بأن النصيب والقدر بيد الله وحده، وأن الزواج ليس كل شي، واقتناعي بعملي ونجاحي العلمي، جعلني أثق بنفسي ووضعت التفكير بالزواج على "الرف" وقررت أن أعيش حياتي كما أريد، وبكامل سعادتي وحريتي.

الأخصائية اجتماعية يسرى الحلو، تقول: "أعذر كل الفتيات اللواتي لم يتزوجن بعد، وهناك مقولة معروفة وتاريخية تقول: "كل تأخيرة وفيها خيرة"، وربما تأخر الفتاة عن الزواج لعدة سنوات أن يكون في ذلك خيرا لها، فإن تتزوج الفتاة متأخرة أفضل من الزواج مبكراً".

تضيف: "الكثير من الفتيات فشلن نتيجة الزواج المبكر، عكس الفتاة التي تجاوزت عقدها الثاني أو الثالث، فهي أكثر خبرة وتجربة"، وتكمل أنّ الفتاة في هذه المرحلة باتت أكثر نضجًا وحكمة و دراية بالحياة وهي الأنسب للزواج".

أما الحقوقي القانوني صلاح عبد العاطي، فيقول:" كيف يحمى القانون حقوق من انتهك حقها وارغمها الزواج"، فأكد أن الزواج يقوم على حرية الاختيار بشكل أساسي، حتى لو تأخرت المرأة بالزواج، بعيدا عن تسميات لا معنى علمي وقانوني وديني لها، لكل فتاة حرية اختيارها لشريك حياتها، ومن يحاول الضغط عليها أو إجبارها يعاقب قانونيًا ودينيًا".

أما عن "الراتب"، يقول المحامي عبد العاطي: "حتى بعد زواج المرأة قانون الأحوال الشخصية "القانون العائلي" ساري المفعول من سنة 1954 يضع لها ما يسمى قانونيًا "الذمة المالية" يمنحها الاستقلالية براتبها ومالها".

يضيف: " الأصل أن تتمتع المرأة بحصانة "الذمة المالية" يكفلها القانون والشرع، وما يحدث من سيطرة الزوج مرتبط بالعادات والتقاليد، بجعل المرأة مواطن من الدرجة الثانية، يحرمها من حقوقها".

ودعا المحامي عبد العاطي المراة إلى الوعي والتفكير جيدًا عن موافقتها على الشخص المتقدم، دون الاستسلام للضغوطات العائلية والاجتماعية".