لم يستطيع أردوغان أن يُفشل محاولة الانقلاب لو أنه لم يخلق، بالدرجة الأولى، أجهزة ممثلةً بالاستخبارات والأمن، توازي قوة الجيش ونفوذه بل تفوقه، وهذا يقود إلى نتيجة أولية مفادها أن جيشه غدا أضعف من ذي قبل خاصةً مع فقدانه مئات القيادات في الصفين الثاني والثالث، وأن قادة الأمن الذين أنقذوا الرئاسة التركية سيصبحون شركاء أساسيين معها في الحكم.
بالمقابل، فإن المعارضة التركية بأطيافها كافةً ساندت مؤسسات النظام الشرعية رغم أن رأس النظام قد مارس أقصى سلطويته - سواء بالتعديلات الدستورية التي تقوي نفوذه الشخصي والعائلي والحزبي، بترتيبها، أو باعتقاله آلاف الصحافيين والسياسيين وإقصائهم، ومنْعه وسائل التواصل الاجتماعي التي للمفارقة استخدمها هو لتعبئة الشعب واستنفاره- وبذلك سيُحسب لهذه القوى والأحزاب حسابها في المعادلة السياسية التي استنفذ خلالها أردوغان وحزبه شعبيتهما وحضورهما حتى آخر نفس.
أردوغان في هذه اللحظة أمام خيارين هما: استغلال اللحظة بشكل انتقامي لتصفية خصومه من جماعة غولن ومن قيادات الجيش، وهذا يتوافق مع شخصيته، أو محاولة امتصاص الصدمة بأقل قدر ممكن من استعداء الخصوم، وفي كلا الحالتين نحن أمام تركيا ستنكفئ على نفسها وسيؤثر ذلك بالطبع على موقعها في الإقليم ونفوذها فيه.
مسألة أخيرة لا يمكن تغافلها، وتتعلق بإرث أتاتورك الثقيل، ويذكرنا بإرث بورقيبة، وهي أن فائض السلطوية وأحاديتها تضغف أية علمانية مهما كانت إمكانيتها في التحديث، وهذا الحديث ينقلنا إلى الغموض الذي يلّف مستقبل تركيا.
أردوغان الذي أضعف تركيا
تاريخ النشر : 2016-07-16 14:21
