أجابت أوروبا على سؤال أكون أو لا أكون بمشروعها القومي، في الوقت الذي اعتبرنا نحن الآية "إنما أمره إن أراد شيئا أن يقول له كن فيكون" جوابا.
فرق شاسع متسارع وفجوة تتسع يوميا نشهدها بين حضارة تنتظر المكتوب وحضارة تكتب نفسها.
أوروبا التي أذهلتنا والتي نحسد مواطنيها، أذهلتنا بتنميها البشرية وديمقراطيتها واقتصادها لا بكنيستها ولا بحروبها واستعمارها.
أوروبا الجديدة، العلمانية، المتفوقة والمنحازة لحقوق الإنسان، لا أوروبا الصليبية كما يطيب لرجال الدين تصويرها لنا.
فرق شاسع متسارع ويتسع يوميا نشهده بين حضارة تخاطب الحشود وأخرى تخاطب الفرد وتسأله في قرارات مصيرية.
بين حضارة أسكتت الكهنوت واستمتعت لما يقوله الفلاسفة، وأخرى فعلت العكس.
بين حضارة تركت للاقتصاد أن يقود السياسة لنحقيق رفاهية الفرد وأخرى بلا سياسة ولا اقتصاد ولا حتى خطط حقيقة للخروج من فوضاها.
بين مجتمعات ما بعد التكنولوجيا ومجتمعات ما قبل معركة الجمل.
بين الذي يخوض حروبا بمنطق المكتسبات وبين الذي يخوضها بمنطق الثأر، بناء المستقبل يختلف عن كنس الماضي.
وبين حضارة تستثمر في العقول وأخرى في الدماء.
حين تعاطف العالم وقادته مع ضحايا شارل أبيدو خرجت الأصوات التي تقول أن الدم العربي رخيص.
الصحيح أن الرخيص في نظر العالم هو عقولنا الطاردة للمعارف الحديثة والتي ترفض تطبيع علاقتها مع العلم، عقولنا التي تبحث عما يشرعن الاكتشافات العلمية في القرآن وحين لا تجده تطلب فتوى تحليله، عقولنا هي التي للأسف لا تعتبر خسارة حين يموت أي واحد منا.
الدم العربي ليس رخيصا حاله حال أي دم، لكن لنعترف أيضا أن عقولنا ليست ثمينة بمعايير عالم اليوم.
والصحيح أكثر أن على الشعوب العربية إن صح التعبير أن تختار الإصلاح الديني بنفسها، ألا يملى عليها على طريقة بورقيبة.
بعد كل ما حدث لها تحت اسم الدين بعد أن احترقت بلاد بأكملها ولا زالت تحترق، بعد كل هذا الموت الذي حرض عليه سدنة الطوائف الأحياء حاليا
على الشعوب أن تختار شكل هذا الإصلاح وحجمه إن أرادته.
ربما علينا أن نتوقف عن اعتبارها ضحية منساقة لا تعرف صالحها، المعارف صارت متاحة لكل من يرغب، التكنولوجيا سقطت كضوء ساطع على عتمة التجهيل الذي عانيناه طويلا، ليس هناك حجج بالجهل، هناك خيار واضح وهناك نماذج حية.
كل هذا مع علمي أن الحروب التي تدور باسم الدين هي حرب اقتصادية عظمى أداتها الدين، لكننا نصدق أن كل هذا يحدث باسم الله لا باسم المال.
فلتختر الشعوب ما تريده.
أوروبا التي أذهلتنا
تاريخ النشر : 2016-07-06 02:56
