منذ بداية شهر الصيام، وأنا أعاني تلاطم الأفكار في رأسي، سببه إيماني أن التدين هو حالة فردية خاصة بين "العبد" وربه، وذلك بعد أن كنت "متدينة ظاهرياً" لكوني نشأت في بيئة اجتماعية حاضنة للتحفظ الشكلي، تتبنى قيماً وأفكاراً جمعية، مفادها الأوحد وملمحها الأهم: أن بنات القرية بمجرد بلوغهن، يجب أن يرتدين ملابس لا " تشف ولا تكشف ولا تصف"، والباقي غير مهم.
إن سلطة المجتمع هي السلطة الأكثر قهراً والأفظع شراسة، فأنت لا تناظر شخصاً واحداً، إنما تواجه جمعاً غفيراً وكأنك في حلبة مصارعة لا ضمانات ولا عدالة لموازين القوى فيها. فالجلادون كثر، وعلى استعداد أن يطحنوك ويستبيحوا قدراتك البشرية، ليضيع بعدها دمك بين القبائل.
وعليه، فإنني أؤكد على النقاط والقيم التالية:
• أصل الحياة أن تكون قائمة على الحرية. وإذا أردنا ان نكون صادقين فإنني أعترف بأن تلك القيمة غائبة عن معتقدات وسلوكيات الأفراد والمجتمع عندنا.
• إن الإشكاليات تتوالى في عبور الحرية أو حتى في اقترابها من الأديان، فهل الدفاع عن حرية الرأي والتعبير والمعتقد يجب أن يؤخذ كذريعة للتحريض على آخرين داخل هذا المجتمع، خاصة إن كان هؤلاء لا يشعرون بالقبول والاندماج بين أقرانهم.
• إن قضية حرية المعتقد أشبه ما تكون بحقل الغام، ومن هذا المنطلق، فإنني أؤكد على العديد من الثوابت:
1. إعلاء شأن الحرية، واعتبارها القيمة الأسمى على كل القيم، كونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكرامة البشر، وحقهم في الحياة، بكل ما يعلي من قيمة الإنسان
2. إن الحقوق والحريات الفردية تستحق الدفاع عنها، ولا يجوز التفريط فيها.
3. لا يجوز مصادرة حق الإنسان في التعبير عن معتقداته في أي مجال في حياته. هذه قاعدة لا ينبغي تجاهلها، وكفلتها المواثيق الدولية وحقوق الإنسان.
• إن المتدينين وغير المتدينين يعانون من أزمات متشابكة ومعقدة، تصل بهم حداً إلى ممارسة القهر الذي يمارس عليهم. ولنأخذ مثالا على ذلك: الصائم يحتمل عذاب الابتعاد عن ملذاته، والأصل في ذلك التضرع لله وعبادته بشكل خالص لوجهه، لكن ما يجري أن هؤلاء المعذبين يمارسون عذاباتهم على الناس. فليس مقبولاً لديهم رؤية شخص يفطر رمضان، لا بل يتعدى ذلك الرفض أصلاً وجود أناس غير مؤمنين بفكرة الصيام.
• أن دور "السادية والمازوشية" وإن كان بعيداً في معناه عن الحالة التي أطرحها، هو دور يروق لمعظم الصائمين، فهم يتقبلون أن يمارس عليهم التعذيب متلذذين به، ثم يمارسون عذاباتهم على غيرهم من الناس.
• للذين يستندون إلى أحكام الدين، فإن الله أعطانا الحرية في الاختلاف معه بطاعته أو عصيانه، والحساب يوم البعث، فالآية القائلة: "إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" تعترف بامتلاك الإنسان لعقل يجعله قادراً على تقرير توجهاته، وحقه في الطاعة أو "العصيان".
• تزداد الحاجة إلى إعلاء قيم التسامح والتعايش الإيجابي بين مختلف شرائح المجتمع وطوائفه ومذاهبه، وتزداد الحاجة إلى تأصيل فكرة الاعتراف والإقرار بوجود الآخر كما هو وليس كما نريد، بالمقابل تكون الحاجة ضرورية ولازمة على الفرد والمجتمع والدولة، بعدم التطرق أو الإساءة لقيم ومعتقدات الآخرين.
• لا وجود في القرآن والسنة ما يوجب عقاب المفطرين في رمضان، إنما هي "سنة" عثمانية، تحبس المفطر في رمضان علناً، لتنتقل الفكرة من طاعة الله إلى إجبار الناس على الصيام بنصوص بشرية مستبدة.
• دولنا تتغنى بديمقراطيتها، التي يتم التناقض معها من خلال فرض دينها الرسمي على أبناء الدولة، ضاربة بعرض الحائط حق كل فرد في تقرير ممارسة حقوقه الطبيعية في الأكل والشرب، وتوجهاته الفكرية والدينية على اختلافها.
• وأخيراً، فإن الإسلام لا يقر الديمقراطية بمفهومها الحديث والإنساني، التي تعتبر الحرية هي القاعدة الأولية للحكم والعلاقات بين الناس، والتي لا تسمح لأي شخص أو مجموعة أن تحارب آخرين باسم الدين أو باسم أي فكرة كانت، غير مدركين أن أي حكم أو سلوك باسم الدين يعتبر مجازفة بالدين ذاته، ويعرض نقاءه وسلامته للخطر.
"في قهر رمضان"
تاريخ النشر : 2016-06-30 14:54
