رفح-نوى:
ليس أقل من جنازة يتقدمها عسكريون من المقاومة الفلسطينية وقيادات الفصائل في وداع الحاجة أم رضوان الشيخ خليل "خنساء فلسطين"، كما يلقّبها المواطنون في قطاع غزة، فالسيدة السبعينية التي عاشت أرملة منذ كانت في الثلاثينيات من العمر؛ فقدت خلال الانتفاضة خمسة من أبنائها شهداء وثلاثة من أحفادها وشقيقها وزوج ابنتها على درب الصراع مع الاحتلال.
خرجت جنازة أم رضوان من بيتها المتواضع في مخيم يبنا بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، وخلفها الآلاف وكأن رفح هبّت عن بكرة أبيها في سيدة ما تراخت عن الإيمان بالمقاومة رغم فقدانها لأحباب قلبها واحدًا واحدًا.
رثاها آمين عام حركة الجهاد الإسلامي رمضان عبد الله شلح بأقوى الكلمات والعبارات، وحمل نعشها نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، وتقدم مسيرة تشييعها عشرات القادة من مختلف الفصائل، وعلى وقع نبأ فراقها ذرف الآلاف الدموع.

حياتها
في بيتها المتواضع بمخيم يبنا تتحلّق النساء المعزّيات حول بنات وزوجات أبناء الحاجة أم رضوان، يتبادلن المواساة في المرأة التي وسع قلبها كل من عرفها حبًا وعطفًا، المرأة التي حثّت الجميع على المقاومة، فرأوا فيها نموذجًا للصبر والكفاح؛ كيف لا وهي ما زالت تتشبث بأنها ابنة بلدة يبنا التي هاجرت منها عام 1948 إبان النكبة.
سماح ابنة الحاجة أم رضوان تقول:"لم تكن حياة والدتي سهلة، أولى فصول المعاناة وفاة والدي حين كانت في الثلاثينات، لتحمل دور الأب والأم وتربي أبناءها العشرة في ظروف صعبة جدًا وتواجه وحدها الحياة دون شكوى أو سؤال أحد".
تضيف وهي تحاول كفكفة دموعها التي تهطل بغزارة:"لم يكن أم تربية عشرة أطفال بمفردها سهلًا، لكن فعلت، وكذلك تكفلت بتربية أحفادها بعد فقدان إخوتي شهداء واحدًا واحدًا، وبفضل الله تمكنت من تربيتهم كما أحبّت".
تتابع سماح إن إخوتها حين كبروا ورأت فيهم أمهم اتجاهًا نحو المقاومة، كانت أول من دعمهم، وهنا بدأت قصة استشهاد الأبناء كانت البداية اثنين مرة واحدة، لتكتمل قصة الفراق مع استشهاد ثلاثة آخرين من أبنائها على فترات زمنية ليست متباعدة.
استشهد ابنها الأول أشرف في اشتباك مع الاحتلال عام 1991 ثم شرف أيضًا في اشتباك مع الاحتلال ولكن في البحر قرب مخيم نهر البارد عام 1992، ثم استشهد ابنها محمود في قصف لمنزلهم عام 2004 استهدف ابنها محمد قائد سرايا القدس والذي استشهد في قصف لسيارته بعد عام واحدٍ ليكون الرابع ، واستشهد أحمد في قصف مماثل عام 2011م، كما استشهد ثلاثة من أحفادها إضافة إلى استشهاد اثنين من أزواج بناتها عام 2007م.

رحلة المرض
تروي ميرفت الشيخ خليل زوجة ابنها الشهيد أحمد رحلة مرضها بقولها أن حماتها "والدة زوجها" لم تكن تعاني أي مرض سوى أنها كانت مقعدة منذ عام ونصف، كونها تقدمت بالعمر ولا تقوي على الحراك، إلا أنه سرعان ما انقلبت الأمور بعد أن وقعت عن كرسيها المتحرك؛ وتم نقلها إلى المستشفي ليخبرهم الطبيب المعالج أنه انكسر مفصل قدمها وهي بحاجة لعملية.
تضيف:"أجريت لها العملية إلا أنها فشلت وبقيت تعانى الألم، فقرر الطبيب إجراء عملية أخري، لكنها أيضا فشلت؛ فزادت حالتها سوءًا بعد أن أصبحت تعانى من التهابات بمنطقة الكسر، فلم يجد أبناؤها وسيلة سوى المطالبة بتحويلها للعلاج بالخارج، وبالفعل نُقلت إلى المستشفيات المصرية".
تتابع ودموعها لا تتوقف:"غادرت قبل شهر رمضان بيوم واحد، وحتى لحظة الوفاة لم يطرأة تحسن على صحتها، فقد عانت قبل أسبوع من الوفاة نزلة معوية جعلتها طريحة الفراش تتنفس بصعوبة إلى أن توفت في 16 رمضان 2016، عن عمر 73 عامًا".
تتنهد السيدة ميرفت وهي تقول :"كانت حماتي كوالدتي تمامًا، فهي نموذج مشرّف، ومثال للمرأة الصابرة القوية، فرغم فقدان أبناءها الخمسة وزوجي واحد منهم، كانت تعاملني أنا وباقي زوجات أبنائها وكأننا بناتها، وكانت دائمًا تشكر الله وتحمده، ليس بالأمر الهين أن تفقد أبناءها لكنها كانت صابرة".

نعي
سرايا القدس بدورها نعت فقيدة الوطن كما نعتها الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة في بيانات منفصلة، وتحدثوا عن رحلتها الحافلة بالعطاء، وفي كلمة مؤثرة للدكتور رمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي التي ينتمي إليها أبناء الحاجة أم رضوان قال:
" منذ سمعت النبأ، أحسست أن أمي التي رحلت عنا منذ عشر سنوات تغادرنا مرة أخرى" ، وأضاف: " يا لوجع قلبي أن منفاي، يا أم الأحرار، يحرمني أن أحمل نعشك كما حرمني من قبل حمل نعش أمي وأبي!" مستدركاً:"سلواي أني على ثقة أن كثيرين من أبنائك، أبناء الجهاد وشباب فلسطين، سيتصدقون عليّ بأن يحملوا نعشك نيابة عني ولو لبضع خطوات".
