غزة-نوى:
بسخطٍ تعبّر أم محمد الريفي (60 عامًا) من حي النصر في مدينة غزة؛ عن استيائها من صوت الألعاب النارية المتفجرة؛ الذي يصلها بعد تناول طعام الإفطار مباشرة؛ والتي يلهو بها الأطفال الذين ينتشرون في الشوارع، وتقول "هل اشتاق أطفالنا للحروب وأصوات القصف كي يلعبوا بهذه الألعاب؟"، تتساءل أم محمد في حيرة ودهشة.
ساق الله أيام زمان
تتنهد الستينية وتقول: "ساق الله ع أيام زمان ورمضان زمان؛ حتى الألعاب كانت تشعرنا بالفرح"، عن ألعاب رمضان في الماضي تقول: "كنا نحمل الفوانيس التي نصنعها من العلب المعدنية بأيدينا، نثقبها بالمسامير ونشعل بداخلها الشموع، ونردد أغاني رمضان، فانوس زمان أجمل من الفانوس البلاستيكي الذي يحمله الأطفال اليوم".
تشاركها جارتها السيدة أم وسيم حليلو (55 عامًا) الذكريات وتقول ضاحكة: "لا تنسي يا أم محمد كيف كنا ننتظر قمر الدين لنشرب نقيعه، ونمرره على كل الجارات ليتذوقنه، الاَن اختفت الجارات وغاب قمر الدين"، وتختم: "يكفي راحة البال التي كنا نشعر بها، اليوم حتى ألعاب رمضان تعيدنا إلى أجواء الحرب، ونمضي يومنا نلعن من يتسبب بانقطاع الكهرباء".
الجارتان كانتا تتحدثان عن مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، ولكن للثمانينات أيضًا نكهة خاصة ما زال يتذكرها جيدًا الجيل الذي شاهد على شاشة التلفزيون المصري "ماما نجوى" وبوجي وطمطم" في رمضان.

زمن بوجي وطمطم
عن الثمانينات تتحدث الشابة نيرمين أبو سيدو (32 عاماً): "يكفي ما كان من محبة، وقلوب الناس التي تعطف على بعضها، الاَن كل منا يغلق باب بيته على نفسه ولا يعلم بحال الآخر"، وتضيف: "كنا نطعم جيراننا من طعام إفطارنا، والجميع يرسل للآخر من طعامه، ولا يوجد بيت يشعر أهله بالحرمان، الآن فقط بعض المؤسسات هي التي تتذكر الفقراء، ساق الله عن زمان ورمضان زمان".
تُعرج الشابة نيرمين على جلسات الجارات بعد الإفطار في سنوات التسعينات، كن يتحلّقن حول شاشة التلفزيون لمتابعة المسلسلات الرمضانية، كل يوم عند واحدة منهن، يتناولن الحلوى والمكسرات في جوٍ يملأه الحب، وتختم: "كنا ننهي يومنا بالصلاة والرضا، أما الاَن يمضي اليوم وينتهي والملل أهم ما يميزه، بصدق لا نشعر اليوم بأية أجواءٍ رمضانية".
جيل الثمانينات عاش فقط على ما كان يشاهده عبر التلفزيون المصري القناة الأولى، وفي احسن الأحوال التلفزيون الأردني، والقناة الإسرائيلية الثانية التي كانت تبث بضع ساعات باللغة العربية يوميًا؛ قبل ظهور القمر الصناعي والفضائيات.
هنا تقول الثلاثينية سميرة عطية:"كنا نشاهد على التلفزيون المصري مسلسلات قليلة في رمضان مثل المال والبنون وليالي الحلمية، وكلها مسلسلات ملسية جدًا وتطرح قصصًا مهمة لمراحل زمنية مختلفة"، وتعتبر سميرة أن هذه المسلسلات كانت تتميز بالمصداقية لدى المشاهد.
تضيف أن التلفزيون كان يعرض عادة مسلسلًا تاريخيًا إضافة إلى مسابقات وفوازير رمضانية ومسلسل ألف ليلة وليلة، تشعر الناس بأن أجواء رمضان مختلفة عن باقي الشهور، وهذا مناقض لما يتم عرضه اليوم من مئات البرامج والمسلسلات كلها مستهلكة ومكررة واستهلاكية فقط ولا تراعي حرمة الشهر الفضيل.

يشعر الطفل عبد الله أحمد (14 عاماً) بالسخط لأن الجميع يطارده كلما ذهب إلى ممارسة لعبته المفضلة، المفرقعات، ويقول: "يريدون مني حمل فانوسٍ مصنوع من الحديد وأغني!!، هذه عادات زمان عفى عليها الزمن، أنا أحب الفراقيع، أصواتها تشعرني أن الدنيا رمضان".
يفعل والد الطفل عبد الله كل ما في وسعه لمنع طفله من اللعب بالألعاب النارية، ويقول: "أتمنى أن تمتنع المحلات عن بيعها, فهي خطر على أطفالنا وتعرضهم للحوادث، ومنهم من بترت أصابعه بسببها".
وترى الأخصائية النفسية زهية الفرا أن الألعاب النارية التي يتداولها الأطفال بأيديهم من أعراض صدمة الحروب, ومؤشر على العنف الاجتماعي، وتعبّر عن ارتفاع مستوى القلق النفسي لدى الأطفال أنفسهم، فأن يجد الطفل متعته في الألعاب العنيفة والمؤذية؛ هذا يعني أن أطفالنا يعانون من مزاج وسلوك القلق والشعور بالخوف والرعب والذي يتم مواجهته بردات فعل عكسية عبر اللجوء للألعاب النارية أو أفلام الرعب مثلًا .
الألفية الثانية
يستذكر أبو خالد (46 عامًا) رمضان ما قبل الانقسام، ويقول: "كان النسيج المجتمعي أفضل، وكانت الزيارات الرمضانية لا تنقطع، ليس على الأرحام فحسب، بل بين الجيران والأصدقاء كذلك، كما أن الإفطارات الجماعية كانت تخلو من الرياء والنفاق.
يكمل:"اليوم الإفطارات تقام خصيصًا من أجل التقاط الصور ونشرها، استبدلنا الزيارة باللايك واستبدلنا أطعمة الجيران بالتعليق على الفيس بوك، ولا نعرف أخبار بعضنا إلا من سجل النشاط اليومي على الفيس بوك".
شتان بين رمضان الذي عاشه أهلنا في السبعينات والثمانينيات، ورمضان الذي نعيشه اليوم بعد أن مزّقت التكنولوجيا منظومة العلاقات الاجتماعية، وباتت "اللايكات" والتعليقات بديلًا عن الكثير من المشاعر"، ليزداد الطين بلّة بسبب الانقسام الفلسطيني، اختفى العالم البسيط ليحتل كل شيء استهلاكي مكانه.
