استعادة مكانة مصر تبدأ من العراق وسوريا
تاريخ النشر : 2016-06-19 00:53

 تلقي الاقتصاد المصري أكبر ضربة قاصمة بانهيار العراق، فلم يكن في مصر بيت لم يسافر منه شخص واحد علي الأقل إلي العراق، حتي أن الأتوبيسات كانت تنقل المسافرين من ميدان رمسيس والكثير من ميادين عواصم المحافظات، وتجدها تنادي علي المسافرين إلي بغداد.

المؤكد أن العراق كان يحتل المرتبة الأولي في استقبال العمالة المصرية، رغم غياب أي إحصائيات رسمية دقيقة، فقد كان السفر لا يتطلب عقد عمل أو وجود كفيل أو حتي تأشيرة دخول، يسافر إليه الفلاحون والحرفيون وأصحاب مختلف المهن، حتي الطلاب كانوا يسافرون صيفا، ليعودوا وقد ادخروا تكاليف عامهم الدراسي، وأصبحت من الأمثال الدارجة أن كل شاب ينهي الخدمة في الجيش ثم العراق قبل أن يتزوج.

هكذا كان العراق منذ منتصف السبعينيات وحتي غزو العراق للكويت عام 1990، وحملت الكثير من أحياء بغداد وغيرها من المدن العراقية بصمات مصرية، تمارس نفس العادات وتحمل نفس الأسماء وتسمع فيها نفس النكات، ولم تؤثر الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران علي تدفق العمالة المصرية، بل العكس، فقد زادت فرص العمل بتجنيد الاحتياطي في الجيش العراقي، وشغلت العمالة المصرية مكانها، وهو ما أدركت القيادة العراقية أهميته، وإعلان حرصها علي حقوق وأمن المصريين، خاصة أن بعض العائدين من الجبهات كانوا يصبون غضبهم علي العمالة المصرية أحيانا، بسبب انتشارها الكثيف، وتعويض غيابهم عن سوق العمل.

يبدو أن الحكومة المصرية لم تكن تدرك مدي الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للعراق، حتي إنها لا تعرف حجم التحويلات التي لم تعرف طريق البنوك أو شركات الصرافة، وكانت تأتي مباشرة مع العائدين في إجازاتهم، أو مع الأصدقاء والأقارب والبلديات، ومعها بعض الهدايا من الأقمشة أو الأجهزة المنزلية، خاصة المراوح المتنقلة وأجهزة الكاسيت.

هذه العلاقة الشعبية الوثيقة بين مصر والعراق انقطعت بكل عنف وسرعة، ولم تعوضها أي مساعدات خليجية مهما يكن حجمها، ربما بسبب تلك المرونة الكبيرة في حركة السفر والتشغيل، فأي عامل أو حرفي يتعرض للبطالة يحمل حقيبته ويركب الأتوبيس أو سيارة أجرة إلي عمان ومنها إلي بغداد، أو إلي بغداد مباشرة، ويذهب إلي أي مقهي مصري، ليجد هناك من يساعده فورا في ايجاد مسكن وفرصة عمل مهما كانت مهنته أو مستوي تعليمه.

فرصة مصر في إعادة الوشائج مع العراق أصبحت سانحة، خاصة مع قرب اندحار الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وانهيار أهم معاقلها في الفلوجة، وبدء عملية تحرير الموصل، وسيبدأ العراق أضخم عملية إعادة بناء ما تهدم في الحروب الطويلة التي خاضها، وهو صاحب ثاني أضخم احتياطيات نفطية في العالم، وسعر البترول بدأ ينتعش من جديد، ويحتاج العراق إلي الكثير من الأيادي العاملة والشركات في شتي المجالات، ومصر لها مزايا نسبية يمكن أن تجعلها في مقدمة الدول المشاركة في إعادة الإعمار، لكن علينا إزالة أي عقبات سياسية تعرقل هذه الخطوة، وأن ندرك أن العراق قد تغير عن عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وأن سموم الطائفية التي جاءت بها الدبابات الأمريكية لم تتبدد بعد، لكن السبيكة المصرية التي تجمع بين الفقه السني ومحبة أهل بيت الرسول تجعل للمصريين مكانة، خاصة بين الشيعة والسنة معا، بل يمكن أن تكون الوسيط المناسب بين الفرقاء، ليس في العراق فقط، بل في منطقة الخليج وحتي اليمن، فالسنة الذين عاشوا تحت حكم داعش في العراق وسوريا واليمن قد زاد يقينهم بأن الفكر المتطرف ليس من الإسلام أو الإنسانية، وعانوا من الفتاوي الشديدة التخلف والقسوة، ومن شكلوا حاضنة للمتطرفين سواء لاقتناعهم بفكرة الخلافة البراقة، أو جري تجنيدهم تحت التهديد، أصبحوا ينبذون الفكر الوهابي الداعشي، وأقرب إلي الاسلام الوسطي، ويرغبون في التعايش في إطار دولة مواطنة لا تفرق بين الناس علي أساس المذهب أو الدين.

إن مصر تكاد تكون الدولة الوحيدة في المنطقة المؤهلة لرأب الصدع بين الدول العربية، واحتواء الصراعات المذهبية والطائفية، ويمكن أن تستثمر هذه الفرصة التي تنتظرها معظم الدول المنهكة من هذه الصراعات، ووضع خريطة طريق عربية جديدة تنبذ الارهاب قولا وفعلا، وتضع المخرج المناسب لمشروع اقليمي بعيدا عن التحالف الأمريكي، الذي كان ومازال يهدف إلي تأجيج الحروب والصراعات، واستغلال فرصة الانقسامات الحدادة، لتصبح اسرائيل ملاذا لبعض العرب، يطلبون منها الحماية، وأن تكون حليفا وشريكا في حروبهم العبثية، وهو ما يجعلها أكثر نفوذا وسيطرة علي المنطقة.

لقد تبين بوضوح أن الحرب في سوريا والعراق واليمن وليبيا لا تحقق أي هدف سوي المزيد من الدمار، وأن الحل السياسي هو الأصوب، وأن الدول الداعية للحرب والممولة الإرهاب، بدأت تدرك أنها تسير في طريق خاطئ، لن يجر عليها سوي الخراب.

كما أن استعادة التلاحم مع سوريا التي تربح معركتها ضد الارهاب فستقوي من مكانة مصر، وتدرأ عنها مخاطر مروعة، فسوريا بوابة مصر وحليفها التاريخي والاستراتيجي، وتجمعهما وشائج يصعب فصمها، وكذلك الوضع مع كل من اليمن وليبيا والسودان، فهل نغتنم هذه الفرصة التاريخية قبل أن تتبدد تحت ضربات مشاريع الفتنة؟
عن "الاهرام" المصرية