المبادرات الشبابية...روتين أم حاجة مُلحّة
تاريخ النشر : 2016-06-15 17:12

غزة-نوى-منى حجازي:

كرواية فيكتور هوغو "البؤساء" تبدو غزة في الوقت الحالي، فصفحات تلك الرواية العالمية الفرنسيّة الشهيرة لم تنطوِ بعد، وبؤس ما عاشته الشخصيات في الرواية يشبه مرارة حياة قرابة مليوني فلسطيني يعيشون واقعًا قاسيًا في أكبر سجنٍ مفتوح في العالم. لكن، في ظل هذا المشهد، يظهر شباب يرفضون أن يسيطر البؤس على مدينتهم والحزن على سكّانها.

المبادرات الشبابية .. بدت وكأنها المنافس للجمعيات الخيرية، حيث تعتمد في عملها على مجموعة من الشباب الخريجين، أصحاب هدف إنساني واحد، تظهر بشكل أوسع في شهر رمضان المبارك، ليظل السؤال: هل هي تكرار روتيني أم احتياج؟

الناشط والمبادر سعيد قديح "24عامًا"، يعيش في بلدة خزاعة شرق خان يونس، هذه البلدة التي تعرضت لعدوان إسرائيلي عنيف في الحرب الأخيرة، لكنّ ذلك لم يمنع قديح من البحث عن "بطاقة حلم" ليحقق أحلام الصغار الفقراء، يحاول بها التنويع وكسر الروتين بأعماله، التي تزدهر في شهر رمضان.

يقوم المشروع على تحقيق حلم مئات الأطفال في غزة،"كلّ يوم نبدأ بالعمل على تحقيق حلم طفلٍ من أطفال غزة أحلامهم بسيطة جدًا: كرة قدم، كرسي متحرك، سماعة طبية، تسوق، دراجة هوائية".

بعد شرح مفصل عن مبادرته، يصمت قليلًا قبل أن يجيب على سؤالنا، فيقول: "مبادرات كثيرة تأتي بأفكار جديدة للعمل على تطبيقها في رمضان، كاسرةً بذلك روتين الأعمال الخيرية ليعم الخير أكثر ويستفيد الناس بصورة ملموسة، لا يمكن أن نعتبر كل المبادرات عمل مكرر، هناك كثير من المبادرات تكون طيلة السنة".

احتياج متكرر

بينما الشابة والناشطة ضمن فريق "إخوة التدوين" الخيرية، زينة الحواجري، وأثناء توزيعها للمساعدات بين أزقة مخيم اللاجئين جباليا، استهلت حديثها:"نوزع المساعدات الغذائية، أنا وأصدقائي ننشط في  رمضان، فهو بيئة عمل خيري تتوحد فيه جهود الشباب المبادرين، نحاول أن نحدث التغيير الملموس في نفوس العائلات العفيفة ونُشعرهم أننا بجانبهم".

تضيف: "المبادرات الشبابية احتياجات مكررة وإلزامية للناس طوال العام وفي رمضان على وجه الخصوص، معظم المبادرات تحمل رسائل إنسانية وتحقق منفعة للفئات المستهدفة، نعم ما نقدمه هو نفسه ما قدمناه رمضان الماضي فلا يوجد بديل عن تلك المساعدات التموينية الضرورية في ظل غياب المؤسسات والجهات المعنية".

الأمر مقيت وتقليدي

أما الصحفي حمزة أبو الطرابيش كان له رأيًا مخالفًا منتقدًا، يقول: " الأمر المقيت في المبادرات أنها تعتمد أسلوبي التقليد والتكرار؛ أطرح سؤالًا هنا لم تقدم جميع هذه المبادرات أو الأفعال الخيرية الشبابية زجاجة ماء ووجبة طعام للعائلة الفقيرة؟!، هل فكر أحدهم بانتشال أحد أفراد العائلة الفقيرة وإيجاد عمل له يدخل على أسرته قوت يومها، لا ننكر دور تك المبادرات لكنها أصبحت اليوم مملة".

في ذات السياق، يضيف الصحفي حمزة: "هناك جُرم يرتكبه بعض المبادرون بالتقاط الصور التذكارية مع العائلة الفقيرة ومن ثم نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي ويظهر فيها مبتسما؛ لا أريد الحديث عن سلبيات هذه "الحركات الصبيانية" ولكن يجب علينا أن نفهم أن "الفقراء ليس للدعاية والترويج".

يوافقه بذلك الشاب والمواطن، سامي أحمد، بضحكة ساخرة، يقول: "المبادرات لا تغني ولا تسمن من جوع مجموعة من الشباب يجمعوا مبلغًا ويووعوه على الناس الذين يعرفونهم في كل رمضان وينشروا الصور حتى يظهروا أنفسهم، لا يهتموا بحاجة الناس قدر اهتمامهم بتسويق أنفسهم".

عمل إنساني

أما الشابة ألاء البرعى تجد بالمبادرات الشبابية في رمضان احتياجًا مهمًا واستثمارًا لطاقة الخريجين أكثر من كونها عمل مكرر، يحاول من خلالها الشباب اثبات وجودهم وتلبية احتياجات الفقراء والشرائح المهمشة في ظل انعدام العدالة في توزيع وتحمل المسؤولية من قبل المؤسسات الخيرية، وفق قولها.

تتابع: "فهي مبادرات مناسبة لتفريغ الطاقات والشعور الإنساني مع الآخرين في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور في القطاع و تدني دخل الفرد و ارتفاع نسب البطالة و الفقر والظروف المعيشية القاسية".

فيما تعبر المواطنة "فدوي.م" اسم مستعار، والمستفيدة من تلك المساعدات التي قدمتها الحواجري، عن سعادتها، لكونها وجدت من يدق بابها من شباب بعمر أولادها، يقدموا لها المساعدات الغذائية من التمر والحلاوة والخبز والجبنة، التي عجزت لضيق حالها ووفاة زوجها الذي ترك لها أن تعيل 8 فردًا،  لتوفيرها بشكل جيد، فهي تعتمد على بيع البلاستيك وما يجنيه أولادها من "شواكل" كمصدر رزق.

وعند سؤالنا السيدة، هل تشعر بالملل من تكرار شكل المساعدات في رمضان الماضي واليوم، أجابت بابتسامة "ريحة الشيء ولا عدمه" برمضان الصغار بطلبوا الأكل كتير وما بقدر أوفره، فهذه الكابونات بتساعدني وبتخفف عنا".

السيدة فدوى ليست الوحيدة ممن تستفيد من خدمات تلك المبادرات، فهناك ما يزيد عن 410.000عائلة تحت خط الفقر، 80% ممن يعتمدون على المساعدات الإنسانية، وفق دراسة إحصائية جديدة قدمتها الجامعة الإسلامية بغزة.

فالقطاع المحاصر إسرائيليًا منذ العام 2006 يسجل في هذه الأوقات أعلى نسبة فقر، وتصاعد نسبة البطالة بشكل كبير تجاوزت الـ65%، في حين وصل معدل دخل الفرد اليومي نحو 1 دولار (خط الفقر المتعارف عليه عالميًا دولار واحد في اليوم للفرد).