هكذا مر رمضان على الأسيرات في السبعينيات
تاريخ النشر : 2016-06-12 18:38
إلى اليسار الأسيرة المحررة فيروز عرفة

غزة-نوى:

"كان اليوم الأول من شهر رمضان المبارك هو الأصعب علينا داخل سجون الاحتلال في سبعينيات القرن الماضي، لا طقوس ولا فرحة ولا الاستعدادات المعتادة للشهر الفضيل، فقط كنا ننظر لبعضنا ونكتفي بالتهنئة الصامتة"، بهذه الكلمات تصف الأسيرة المحررة فيروز عرفة استقبال الأسيرات الفلسطينيات لشهر رمضان في السبعينات.

رمضان في السجن

اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي فيروز عرفة عام 1971م في سجن غزة المركزي؛ عندما كانت تبلغ من العمر 19 عامًا بتهمة الانتماء إلى الجبهة الشعبية وممارسة أعمال مقاومة ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.

عايشت عرفة تجربة البعد عن الأهل في شهر رمضان لأول مرة في حياتها ذلك العام، ولكن ليس وحدها فإلى جوارها نحو 30 أسيرة كانت قد اعتقلهم قوات الاحتلال بتهم تتعلق بدعم المقاومة.

بنبرات صوت هادئة رزينة تتحدث عرفة إلى نوى:"كل العالم كان يحتفل إلا نحن فالسجن المغلق علينا، كنا 30 أسيرة ننتمي للجبهة الشعبية وحركة فتح وقوات التحرير، مرت علينا الليلة الأولى ونحن لا نعرف كيف سيمر علينا الشهر بعيدًا عن الأهل والأبناء وكل واحدة منا لديها عائلة تفكر فيها".

تضيف:"كان من بين الأسيرات أمهات مثل صبحة الصلاحات التي تركت أطفالها، كانوا يفكروا بألم من سيهتم بأطفالهن، وسيدات كبار السن كل واحدة تتذكر أسرتها ، وأنا كنت أتذكر أمي بألم، أنا من أعدّ السحور والفطور وأمي سيدة كبيرة السن، كنت أتألم وأنا أفكر بأمي كيف سيمر عليها هذا الشهر".

نظرات الحزن هي السائدة في ذاك الوقت، فالإنسان مشاعر لا يمكنه تغييبها، لكن الأسيرات آثروا أن يديروا ظهورهن صوب الجدار ويبكوا بألم وصمت، خشية أن تلمح السجانات الإسرائيليات نظرة ضعف في عيون أي منهن.

الطعام

عن وجبات السحور والإفطار حدّث ولا حرج، عن احتلال لا يرحم، في وقت لم تكن الحركة الأسيرة قد باشرت أي خطوات لتحسين ظروفها، والاحتلال يضرب عرض الحائط بكل القوانين التي تتحدث عن حقوق الأسرى، ماذا كانت تتسحر الأسيرات وماذا كانوا يفطرن؟

تقول عرفة:"كان سحورنا قطع صغيرة من الخبز الفينو وملعقة واحدة من المربى وملعقة من الزبدة وأحيانًا بيضة واحدة، لم يكن الطعام مناسبًا للغالبية خاصة الأسيرات كبيرات السن والمريضات ممن اعتقلن على خلفية أن أبنائهن أسرى أو بتهمة إيواء مناضلين، لكن كنا نضطر لتناول هذا الطعام".

أما طعام الفطور فكان لا يقلّ رداءة، فهو روتين لا يتغير إما العدس أو الرز أو الفاصوليا وأحيانا سمك مطبوخ بطريقة لا تقبلها النفس، ولكن تضطر الأسيرات لتناوله لعدم وجود بديل، بل والأسوأ أن الإفطار هو فائض طعام جنود الاحتلال والذي يُترك مكشوفًا لفترة إلى أن يملأه الذباب والحشرات.

تقول عرفة بألم:"كنا نجد الذباب في الطعام فنرفعه ونكمل تناول الطعام، لم يكن مسموحًا لنا أي شيء ، فلا حلويات ولا طقوس للشهر الفضيل ولا حتى ملابس، كنا نلبس زي السجن منذ اليوم الأول ولم يسمح لنا بغيره، مجرد أن ندخل السجن علينا أن ننسى أي شيء نشتهيه، لكن المؤلم أن الطعام لم يكن يناسب السيدات كبيرات السن ممن عايشوا تجربة المعتقل وبعضهن ما زالوا على قيد الحياة مثل السيدة أم رأفت النجار كانت معتقلة واثنين من أبنائها أيضًا كانوا معتقلين".

في رمضان حيث يكثّف الناس العبادة وتلاوة القرآن، لم يكن لدى الأسيرات سوى مصحف واحد يتداولن القراءة فيه، أو تقرأ إحداهن والباقي يرددوا معها، ورغم كل مظاهر الحزن سعت الأسيرات للبحث عن شيء يمكن أن يشكّل لهن بعضًا من التسلية في ظل عدم وجود أي مكتبة او فعاليات تساعد في تمضية الوقت.

يوميات الأسيرة

تتحدث عرفة عن يومياتهن في الشهر الفضيل:"كنا نجلس في النهار نتحدث عن قضيتنا الوطنية وهمومنا اليومية، أحيانًا نغني أغاني وطنية وأحيانًا نمارس الدبكة الشعبية، كان هذا يغيظ المجندات الإسرائيليات وأحيانًا يطلبوا من الصمت ولكن كنا نواصل".

أمضت الأسيرات أوقاتهن في الاستماع أيضًا للشعر فقد كان بينهن مبدعات مثل الشاعرة غادة أبو ستة، كما افتتحوا فصلًا لمحو الأمية درست فيه الأسيرات الأميّات وخاصة كبيرات السن، فأصبحوا يكتبوا رسائل لأبنائهن، كما عملن على الاستفادة من نوى الزيتون الذي كان يتوفر أحيانًا في صنع السبح.

أما في العيد فتروي عرفة أنهن اضطررن ليلة العيد للنوم بصمت كي يمر هذا اليوم على خير، وهن يعلمن أنه لا عيد في الأفق، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد استيقظوا بفزع على صوت صراخ الأسيرة صبحية الجمل.

كانت الأسيرة الجمل قد فقدت شقيقها شهيدًا قبيل اعتقالها وكان هذا هو أول عيد يمر دونه، نكأت صبحية جراح جميع الأسيرات اللواتي يمر العيد على أبنائهن بعيدًا عن أحضانهن، وغيرهن ممن ير عليهن العيد بعيدًا عن الأهل وانخرط الجميع في البكاء.

لا شيء في العيد اسمه "نحن تناول الفسيخ" لا شيء اسمه حلويات، لا شيء اسمه تهنئة، كل ما حولهن كان يقول أنهن فقط بين هذه الجدران الأربعة في حياة صامتة إلى أن يغادروا، ولكن غادرت فيروز وغادرت الجميع وخرجن يروين معًا قصة الصمود الأسطوري لسيدات حملوا شعلة النضال منذ بدايتها ولم تنتهي.