حاوره: زياد خداش
(منذ فترة طويلة وأنا أحلم بمحاورة زكريا محمد، هذا الرجل العنيد والتوحدي. الماشي ببطء والبازغ من المنعطفات فجأة، والباقي على مواقفه. المتجول بمتعة بين التجارب الإبداعية المتنوعة. أتذكر تماماً أول مرة رأيت فيها زكريا محمد. لم أكن أعرف أنه الشاعر الذي عاد من الشتات مع العديد من الشعراء والمثقفين. أتذكر الكلمات التي قلتها لنفسي بصوت مسموع وغير مسموع: "هذا الرجل الغريب بحقل اللوز على رأسه لا يمكن إلا أن يكون شاعراً". وفجأة تطابق التوقع مع الحقيقة، وعرفت أن هذا الرجل هو زكريا محمد الشاعر الذي قرأت له كثيراً. لم أشعر بمتعة محاورة شاعر كما أشعر معه الآن. فهو صريح وبسيط وعفوي. لا يتكلف عبارة ولا يفتعل بلاغة ما. أشعر وكأنني حاورت نصوص زكريا الروائية الشعرية فهو يشبهها تماماً. هي رهيفة وحزينة وطازجة تماما مثله- زياد خداش).
-زكريا محمد: أين أنت؟
* الرجل الصاخب طويل القامة. بحقل اللوز في رأسه، الشخص الذي يمارس الاحتجاج والاستياء بجماليات غريبة، والمشّاء المبتسم بغموض. ناخز ثيران الأخطاء والفساد، لم يعد يظهر في الصحافة الثقافية الساخرة والناقدة. زكريا محمد أين أنت وكيف تتعامل مع فيضان الاستياء، الفيضان الذي لا يجد الآن قناة يفرغ فيها؟
- لقد تركت الصحافة الثقافية لكي أخفف استياء بعض الناس مني يا زياد. كنت أرغب أن أكفيهم شري. أما كيف أصرف فيضان الغضب على ما هو سيئ أو ذليل ومنافق، فلا تخش علي. فثمة حروب للعدل كثيرة يمكن للمرء أن يخوضها. لقد خضت خلال الأعوام الماضية حربا في التاريخ. كأنني أهتم بالماضي أكثر مما أهتم بالحاضر. أو كأنني يئست من إمكان إصلاح الحاضر.
* تركت مجلة "الكرمل" في ظروف غامضة. الفضول يقتلني زكريا، فارحمني. من الذي ترك من؟ أنت تركت الكرمل أم هي التي تركتك؟
- لقد تركت الكرمل لأنني كنت أود أن أخصص وقتا أطول للكتابة ولم يعارض محمود درويش ذلك. يصعب علي، أيضا، أن أعمل أكثر من أربع أو خمس سنوات في مكان واحد. أنا حتى، لا أبقى في بيت أستأجره أكثر من ذلك. فما إن تنقضي المدة حتى أحمل مثل القطط أبنائي، وأنتقل إلى مكان آخر. عندما تأخذني ألفة مكان ما سرعان ما أقول: الرحيل.. الرحيل.
أحاول أن أذل اللغة كي أصل إلى الشعر
* في تجربتك الروائية تبدو متخبطاً بين اتجاهات روائية عديدة. فبنية "عصا الراعي" تختلف عن بنية "العين المعتمة". هذا التخبط يقود إلى سؤال خبيث وغير بريء: لماذا خنت الشعر زكريا، لصالح الرواية؟؟
- روايتي الأولى (العين المعتمة) كانت تجربة أولى لي في كتابة نص طويل. أنا كاتب مختصر، حتى أن اختصاري دوما يوشك أن يتحول إلى صمت. وقد رأيت مرة ما أن أجرب طاقتي في كتابة نص طويل. وكان نتيجة ذلك (العين المعتمة). يمكنك أن تسميها (العين الممتعة) إذا أردت. فقد كنت أستمتع وأنا أكتب نصا طويلا. لم تكن كلها متعة طبعا. كانت بين العتمة والمتعة. وإذا رغبت فإنني أقول لك أنني أنظر إليها أحيانا كمجموعة شعرية. إذا أردت أن ترى طاقتي اللغوية فانظر إليها في بعض مقاطع هذه الرواية وليس في مجموعاتي الشعرية. في مجموعاتي الشعرية أكون منشغلا باللغة وبأشياء أخرى. وأحيانا أكون منشغلا باللغة بشكل مضاد. أي أنني أحاول أن أذل اللغة لعلني أصل إلى الشعر. لست متأكدا من أن البراعة اللغوية والشعر على وفاق دوما. بل أحس أحيانا أن اللغة تلعب ضد الشعر. لذا ألعب ضد اللغة أحيانا، وبوعي كاف. أقصد أنني أكون بسيطا في لغتي عامدا متعمدا، على كره من لغتي.
أما لماذا خنت الشعر؟ فسؤال من أكثر الأسئلة صعوبة بالنسبة لي. لقد أمضيت شطرا كبيرا من عمري وأنا أرى أن الشعر سيدي الأول والأخير. كنت أقول: لا يمكن لي أن أخدم سيدين معا وفي لحظة واحدة. لكنني عندما جاوزت الأربعين، أي عندما وصلت عمر النبوة، أحسست بأنني حر. وأنني قادر على فعل أشياء كثيرة. وأنني راغب في فعلها. لقد فقدت الحياء تماما. كنت قادرا على أن أرسم وأنحت وأكتب رواية وأكتب قصص أطفال، إضافة إلى الشعر. هل كنت أخون الشعر بهذا؟ أم أنني كنت أفتح منافذ أخرى لمياهه المحشورة؟ لا أدري. هل كنت أخدم سادة آخرين يكرههم الشعر، أم أنه هو من كان يرسلني لخدمتهم راغبا راضيا؟ لا أدري. لكنني أحس حين أرى بعض الأحجار التي عملتها أنها تشبه قصائدي. يبدو أنني كنت أصنع للشعر تماثيل لكي يتمرأى فيها. لكن لكي أكون صريحا معك فأنا لست واثقا. ربما يكون كل ما فعلته هربا من سطوة الشعر، ونكوصا أمام صعوبته. الشعر أصعب الفنون جميعا.
* قمت بتأسيس جماعة رفض ثقافية بكل ما يجري من خلل يعصف بالثقافة الفلسطينية لكن الفكرة لم تنجح، أين الخلل في تأسيس الجماعات؟
- لم أقم بتأسيس أي شيء. كانت هناك لحظة أردنا إظهار غضبنا فيها، فاقترح واحد أن نضع اسما تحت البيان، فوضعناه. ثم نسينا هذا الاسم بعد أن "روحنا" إلى بيوتنا. هذا هو كل شيء.
اتحاد الكتاب مات
* ما هو موقفك من انتخابات اتحاد الكتاب الفلسطينيين التي جرت مؤخراً؟
- اتحاد الكتاب مات من زمان. كان له ضرورة سياسية في مرحلة ثم انتهت هذه المرحلة. كنا وقتها بحاجة إلى تثبيت منظمة التحرير كممثل للفلسطينيين. كان فعالية سياسية بالدرجة الأولى، لم نعد بحاجة إليه كان اسما فقط. إدارة الاتحاد الجديدة المفترضة قررت أن تطلق رصاصة الرحمة على هذا الميت الذي لا يريد أن يموت نهائيا. نحن نشكرها على ذلك جدا. لقد أراحتنا منه. لم يعد بإمكان أحد أن يمثلني الآن ككاتب فلسطيني رغما عني. كانوا يمثلونني بالقوة لكي يحصلوا على امتيازات ضئيلة خاصة بهم. الآن فتحت الطريق لعمل روابط وتجمعات على أساس الاتجاه والتجربة وغير ذلك. روابط تمثل أعضاءها لا غير. وتتنافس في دعم حرفة الكتابة وتطويرها. وهذا أمر حسن. لا تقل أن اتحاد الكتاب كان ضرورة وطنية. أو أن رابطة الصحفيين كانت ضرورة وطنية. كانت هذه الأشكال ضرورية لاثنين أو ثلاثة من الناس. ونحن لسنا ملزمين بهم وبمصالحهم وضروراتهم.
* تعرضت مؤخراً لتجربة مرض خطيرة وقد شفيت الآن وحمداً لله على سلامتك، السؤال هو: هل سيكون هاجس الموت والمرض هو سيد التجربة القادمة؟ كما حدث مع درويش مثلاً؟
- أقول لك أنك لن تحس ربما بطعم الحياة الحقيقي إلا إذا مسّك الموت. إلا إذا مس ثعلب الموت بأنفه الرطب خاصرتك. وقد مس خاصرتي وشعرت برطوبة خطمه على لحمي. لكن هذا منحني إحساسا أشد بالحياة. ومنحني التفاؤل. أقول في نفسي: يجب أن أكون ممتنا، فقد أعطاني الله فرصة أخرى، سنوات قليلة أخرى لكي أكون هنا. وأنا ممتن فعلا. لكنني أحس أن الله منحني هذا الوقت الزائد لكي أقوم بشيء ما، لكي أنجز مهمة ما. وأنا أحاول أن أنجز هذه المهمة. كنت أظن أنني لن أبلغ الثلاثين. كنت أعتقد أنني سأموت قبلها. ثم قلت لن أبلغ الأربعين. وها أنا حي بشعر أشيب كما ترى. كان شبح الموت يطوف في عقلي دائما. الآن، وبعد تجربة المرض، أرى أن الحياة هي ما يشغلني. الحياة والعمل المثمر، الحياة والحرب ضد الظلم. أقوم كل صباح وأقول: أنا حي. الحياة جيدة. شكرا لله.
* ثمة من يقول أن زكريا محمد يرفض كل شيء لمجرد الرفض ولا يقدم حلولاً فمثلاً معارضتك للانتخابات الأخيرة لاتحاد الكتاب كانت عبثية بمعنى أنها ليست ذات رؤيا ماذا تقول في ذلك؟
- لا يهمني أن أدافع عن نفسي هنا. دائما يخيل لمن لهم مصالح أنك مخرب حين تعترض على شيء يضر مصالحهم. هذا أمر طبيعي. أنا نكد أحيانا، لكنني لا أفعل ذلك من أجل مصلحتي الشخصية. هذا ما يحير بعضهم أحيانا. يعتقدون أن كل واحد يخوض معركته من أجل مكاسبه الشخصية. لا يفهمون كيف أن واحدا ما يمكن أن يخوض معركة لله هكذا. أنا واحد من هذا الطراز.
* زكريا محمد قلّما يعجب بتجربة شاب واعد، هكذا يقال وأنت لا تبدو متحمساً للأدب الشبابي الفلسطيني رغم أن هناك تجارب مميزة ومدهشة. ما هو موقفك من تجارب الشعراء الشبان؟
- أولا، أنا لست أستاذا لكي أوزع شهادات حسن السلوك الأدبية على أحد. وإن أعجبت أو لم أعجب فهذا أمر قليل الشأن. لقد أبعدت نفسي دوما عن الرغبة في الحصول على تلاميذ. أنا تلميذ ولست أستاذا. ولن يضير أحدا إن كنت أحب ما يكتب أم لا. رأيي هو ذوقي. وذوقي ليس مقياسا لأحد سواي. أنا على قدم المساواة مع زملائي الشعراء جميعا. وثم من يعتقدون بينهم أن شعري ليس شعرا. وحتى هناك أناس من أصدقائي يرون ذلك. لا أحب أن أدافع عن نفسي هنا أيضا. لكنك مخطئ جدا بخصوص عدم حماسي لمن تدعوهم بالأدباء الشباب. أصلا أنا لا أحب فكرة أنهم شباب وأنني غير ذلك. أقصد أنني لا أملك أن أحكم عليهم. لست في موقع من يحكم على أحد. وإن حكمت فحكمي لنفسي لا غير. وفي النهاية، النهاية القصوى، يحب المرء شبيهه. أي أنني أحب أبا العلاء المعري لأنني أشبهه، أو أحاول أن أشبهه. عليه، ففي الغالب أن من يتحمس للمتنبي سيجد أن شعري ليس جيدا.
البلاغة سم اللغة
* تقول سلمى خضراء الجيوسي في تقديمها لتجربتك الشعرية أن زكريا محمد يكتب الشعر كما يتحدث، هل يسرك هذا القول؟؟ ألا يضيع الفن هنا في التداخل مع الآخرين بين الشعر والحياة؟
- ربما كان ما تقوله الجيوسي صحيحا. أحب أحيانا أن أحكي للقارئ. وقد قلت لك سابقا أني ألعب أحيانا ضد اللغة، وأنني في مرات ما أرغب في إذلالها، أي أرغب في جعلها غير بليغة. أحس أحيانا أن البلاغة سُمّ اللغة. وفي النهاية، النهاية القصوى، الشعر ذوق. ذوق فقط. لكن من ناحية ثانية، ليس لدي مشكلة أنني أكتب الحياة كما هي. أنا أستخدم فقط طريقة تجعل القارئ يحس أنني أتحدث معه وأروي له قصة. إنه تكنيك فقط.
* ثمة رأي يقول أن تجربتك الروائية هي المتفوقة على التجارب الأخرى في فلسطين. ثمة من ينتصر لتجارب أخرى، السؤال هو: متى سنصل كشعراء وكنقاد إلى مستوى أكثر عمقاً ورقياً في فهم التجارب الروائية بمعني أنه لم يعد هناك في العالم الآن رواية سيئة ورواية جيدة، هناك تجارب متنوعة ومدارس. كل تجربة لها أنصارها وعشاقها ما قولك؟
- اسمع يا زياد. نحن بحاجة إلى تقوية وتمتين نخبتنا الثقافية. نخبتنا الثقافية ما زالت ضعيفة مقارنة بالعالم، وحتى بالعالم العربي. وحين تكون النخبة ضعيفة يكون إنتاج كل فرد منها ضعيفا. الإنتاج الثقافي إنتاج عام في النهاية، أي تتحكم فيه قوة النخبة وعمقها. لا يمكنك أن تتوقع عباقرة في مكان لا يحدث فيه جدال عميق حول كل شيء. النخبة القوية هي التي تنتج العباقرة والأقوياء. لا يمكنني أن أنتج شيئا قويا إذا لم يكن حولي أقوياء. قوتي ترتبط بقوتهم. قبل سنوات كنت في هيئة مركز خليل السكاكيني. وكان الجدال يدور حول إن كان هذا المركز نخبويا. كانوا يريدون أن يجعلوه شعبيا. أنا كنت ضد ذلك. كنت أرى أن على المركز أن يعمل على تمتين النخبة الثقافية أولا. يعني أنني كنت أريد له أن يقدم سينما للنخبة وفناً تشكيلياً للنخبة. أن نبني النخبة التي تنتج الثقافة أولا. أن نجعلها تنتج ثقافة جيدة ثم بعد ذلك نذهب للناس. أما أن نذهب للناس بنتاج ليس أفضل كثيرا مما عندهم، فلن ينفعنا شيئا. يجب أن نصنع نخبة تستطيع الحرب. كيف يمكنني أن أخوض الحرب في مجال تاريخ فلسطين مثلا إذا لم يكن هناك مختصون في اللغات السامية، وفي اللغة المصرية القديمة، وفي الفخار، وفي البيئة، وفي عشرة علوم على علاقة بالتاريخ أيضا؟ يا صديقي في كل رام الله لم أكن أجد أحدا يستطيع أن يقرأ كلمة هيروغليفية واحدة، بل ولم أجد أحدا يمكن أن يفيدني في فهم كلمة آرامية. فكيف يمكن لي في هذا المناخ أن أخوض حربا؟ يجب أن نؤهل النخبة قبل أن نؤهل الناس.
أكتب بالطريقة التي أرتاح بها
* قراءتي العميقة لتجربتك الشعرية قادتني إلى توصيف: هو أنك تقف على بوابة قصر النثر متردداً في طرق الباب والدخول، لماذا هذه الحيرة زكريا؟
- لم أكن أبدا مهتما بما إن كنت أكتب قصيدة منثورة أم منظومة. لقد نأيت بنفسي عامدا متعمدا عن الجدال الدائر حول هذه المسألة. لست على استعداد لأن أقف في معسكر ضد آخر. ليفعل غيري ذلك. أنا أكتب بالطريقة التي أرتاح بها.
كنت دوما مهتما بفكرة أنك عندما تخسر الوزن فعليك أن تعوضه بشكل ما. كنت مهتما بأن أبحث عن طريقة لتعويض خسارة الوزن. هناك من يعتقد أن خسارة الوزن أمر هين جدا. لا يا سيدي. الوزن، أي الموسيقى بشكل ما، ترتبط بأعماق أعماق الشعر. هل تظن أن عدة آلاف من السنين ارتبط الشعر فيها بالموسيقى كانت خطأ صغيرا. أنا كنت مهتما بتعويض الخسارة لكي يظل الشعر شعرا. وأعتقد أن كل شاعر جدي سيفعل هذا.
* أنت كاتب الجلوس في المقاهي الثقافية. ما هو السيئ في المقهى الثقافي وما هو الجيد، أنا شخصياً أعتقد أن الاقتراب الحميم بين المثقفين يأخذ طاقات المبدعين إلى مسارب شاحبة وضيقة حيث العراك والحسد والاستعلاء وإقصاء الآخر والتقاتل على النساء البلهاوات الجميلات هل توافقني؟
- اسمع. أنا ولدت في مقهى. لكنك ربما تعرف أنني أجلس في المقهى وحيدا على طاولة وحيدة في أغلب الأحيان. ولعلك تعرف أنني خارج المنافسة في كل ما يتعلق بالأدباء والكتاب وموضوعاتهم. أنا أعلم بحال هؤلاء الناس تماما. الأرض الاجتماعية التي يقفون عليها صغيرة جدا جدا. لذا فكل واحد يحاول أن يزيح الآخر وأن يضع قدمه هو. أقصد أن الحظوة الاجتماعية للكاتب أن غيره من منتجي الفن ضئيلة جدا ولا تكفي للجميع. لهذا السبب يتقاتلون. كنت دوما أقاتل، أو أحاول أن أقاتل، لأسباب مبدئية. ربما لم أكن أنجح دائما. لكن كان هذا هو هدفي. أنا وحدي في وسط ازدحام المقهى. قمة العزلة في قمة الوجود الاجتماعي، أو اللاعزلة.
أشهد أنني لم أعش
* ثمة حياة أخرى حافلة بالمجد والحب والشعر والنضال والآلام، والبطولات الصغيرة عاشها زكريا محمد في المنفى هل تذهب هناك في الليل؟ ما الذي تجده هناك زكريا؟
- أنت مخطئ في الصورة التي لديك عني هنا. لم أعش مجدا ولا بطولات ولا غير ذلك. بإمكاني أن أقول (أشهد أنني لم أعش)، أي عكس ما قاله نيرودا. أنا لم أعش جيدا. كانت حياتي تفلت مني. لم أكن قادرا على السيطرة عليها والاستمتاع بها. بالكاد أحاول ذلك الآن. ما في رأسك عني وهم من لم تتح له فرصة للسفر مثلي. على كل حال، كان سفري إرغاميا في غالب الأحيان. لقد قذفت رغما عني إلى كل مكان ذهبت إليه.
* زكريا محمد مارس النحت والشعر والرواية والرسم والمسرح لكنه لم يقترب من السينما؟ قلت لي مرة أن العتمة تخيفك أو تحيرك (لا أذكر بالضبط)؟
- كانت العتمة في ما مضى ضرورية لي لكي أكتب الشعر. كان الشعر يأتيني في عتمة قاعة السينما. لذا كنت أذهب إلى هناك لكي ألتقي بالشعر. لذا تجد أن في شعري شيئا يشبه السينما. ثمة كادرات ولقطات سينمائية. السينما كون آخر تطلع الشمس فيه من الشرق ولا تصعد في السماء. تظل في موقعها حيث طلعت. عالم آخر. زائف ربما، لكنه عالم مختلف.
الآن لم أعد أقوى على العتمة. أريد أن أقف في النور. أريد أن احتفل بالنور. تقول قصيدة لي:
(لا تعبر من العتمة إلى النور
هكذا كما تعبر من بيتك إلى بيت جارك
ليكن عبورك عبور فتيان قبيلة
من الطفولة إلى الرجولة
بدم الختان وبتر الأصابع بالسكين).
أريد أن احتفل بالنور كما احتفل بطهور ولدي.
