غزة-نوى-مرح الوادية:
"كما لو أنّنا مادّة إخباريّة بامتياز، إخبارية إنسانيّة سياسيّة، تعبّر عن أوضاع بائسة، قاهرة، وقاتلة تتلقّفها وسائل الإعلام على ألسن المسؤولين من هنا، وصور ومقاطع فيديو لنا في الخلفيّة" تقول إيمان حبيب وهي طالبة في الثانويّة العامّة. إيمان التي فقدت منزلها في الحرب الأخيرة على قطاع غزّة عام 2014، باتت تتذمّر من التحدّث مع وسائل الإعلام بخصوص العيش في الكرافانات، وما تعانيه العائلات المنكوبة.
في سياق الحديث عن أوضاع الدراسة للثانوية العامّة، خاصّة مع استمرار انقطاع التيّار الكهربائي، وخطورة وصله في "جدران الصفيح" تتابع حبيب، إن الأوضاع المعيشيّة أساسًا تحكي عن حالها من دون أن نتحدّث، وأنّها ومنذ أن قصف منزلهم القابع شرق مدينة غزّة وهي تعاني بالفعل من تراجع مستواها الدراسي شيئًا فشيئًا.
يكابد طلّاب التوجيهي بغضّ النظر عن الظروف السياسيّة، أزمات نفسية واضطرابات واضحة، فما بالك كيف سيكون حال طلّاب أنهكتهم الحروب وما تكشّف عنه بعد انتهاء الأخيرة تحديدًا، كيف تتوقّعون أن يكون الوضع النفسي والجسدي؟ تتساءل إيمان. عدا عن ذلك، فإنّ أزمة الكهرباء القديمة المتجدّدة في أوقات عديدة، صارت تشكّل أحد أبرز عوامل الضغط النفسي الذي يقع على الطلّاب بشكل عام، وبالنسبة إلى الطلاب المدمّر منازلهم، ثمّة خطورة كبيرة من تشغيل المولّدات الكهربائيّة بحال توفّر مال لشراء البنزين، وبحال عدمه، تقول حبيب: "ساعات تروح هباءً منثورة، لا أستطيع خلالها أن أدرس، ولا أن أركّز نهائيًا. لا أنفك عن البكاء، هذا كل ما أفعله وأنا أرى مستقبلي على كفّ عفريت ولا أحد يشعر بنا، سوى أنّنا مادّة حديث إعلاميّة ليس إلّا".
بينما يروي سعيد عبد اللطيف، وهو طالب ثانوية عامّة آخر، يعيش في كرافان آخر بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزّة، أنّه يحاول قدر الإمكان أن يتغلّب على الصعوبات التي تواجهه في دراسته مع مكوثه بالكرافان كون "لا جدوى من العويل، الذي لطالما دقّ جدران المسئولين المحليّين والدوليّين ولكن دون جدوى، فعمليّة الإعمار تحتاج إلى سنوات عديدة ورغمًا عنّي يجب أن أتجاوز هذه الظروف وإلا سأضيّع مستقبلي من دون أن أشعر ولن أستفيد شيئًا" – وفق قوله -.
ويسعى عبد اللطيف إلى تقسيم أوقاته ما بين الدراسة في البيت "الكرافان"، خلال ساعات وصل التيار الكهربائي، بينما يتّجه إلى المسجد خلال فترة انقطاعه. ويضيف: "الوضع ليس بجيّد، لكنّه مفروض علي، وأنا شخصيًا أطمح إلى الحصول على معدّل يؤهّلني إلى انتزاع أي فرصة دراسة بكالريوس طب خارج البلاد، وفي الحقيقة أنوي الهجرة بكل الأحوال، أوضاع القطاع لا تطاق، وأوضاع المتضرّرين من الحروب لا تهم غيرهم، فلماذا ولمن أبقى؟".
كذلك تتحدّث هدى النّجار عن صعوبات انقطاع التيّار الكهربائي والظلام الطّاغي بفعل الأزمة، كما عذابات العيش بين جدرانٍ من الصفيح تكوي أجسادهم خلال فصل والصيف وتلسعها بالبرد في فصل الشتاء، عوامل بالفعل تربك النّجار وتزيد من الضغوطات النفسيّة التي تقع عليها وعلى مئات الطلاب الذي يتشاركون المأساة في ظل تأخّر عمليّة إعادة إعمار قطاع غزّة. وأكلت والدتها بالقول: "أيّام السبعينات لم نعيش مثل هذه الظروف، وكنّا أكثر راحة نفسية وجسديّة، وفي بيوت جيّدة ولكن أنا ألاحظ أنّه كلما تطور الزمن بتنا أكثر تراجع عن ما قبل من جميع النواحي المعيشيّة، والسياسية والاقتصادية والاجتماعيّة أيضًا".
وحول ما تسبّب به العدوان الأخير على القطاع عام 2014، دمّرت اسرائيل نحو 100 ألف منزل ومنشأة بشكل كلي وجزئي، وقرابة 5000 منشأة اقتصادية تعرضت للتدمير الكلي والجزئي، منها نحو 550 منشأة اقتصادية سويت بالأرض، وفق أرقام صادرة عن الأمم المتحدة ووزارة الأشغال العامة والإسكان.
