سايكس بيكو في ذكراها المئوية
تاريخ النشر : 2016-05-18 17:46

غزة-متابعات نوى:

قبل نحو مائة عام بالضبط وقعت القوتان الاستعماريتان الرئيسيتان بريطانيا وفرنسا اتفاقية سرية عرفت لاحقًا باسم "سايكس- بيكو" تسببت في اقتسام إرث الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بعد إلحاق الهزيمة بها في الحرب العالمية الأولى.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى، أخلى اتفاق "سايكس–بيكو" مكانه لاتفاق "سان ريمو"، ولصيغة الانتداب التي طُبقت في البلدان العربية المستحدثة في المشرق، ولم يبق منه عمليًا سوى الترسيم المبدئي لحدود لبنان والعراق والأردن وفلسطين، وفي عام 1939 اقتطعت تركيا لواء الإسكندرون من سوريا بتواطؤ من سلطة الانتداب الفرنسي.

 بقي الاستعمار الفرنسي-البريطاني حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 مهيمنا في بلدان المشرق، متسلحا بسلطة الانتداب الممنوحة له من قبل عصبة الأمم في مؤتمر لندن عام 1922، مع استثناءات في اليمن والسعودية والأردن، وارتبطت مصر والعراق مع بريطانيا بمعاهدات حدت عمليا من استقلالهما، إلى حين الإطاحة بالأنظمة الملكية فيهما تباعا عامي 1952 و1958.  وأثناء الحرب تعهدت حكومة فرنسا الحرة بمنح الاستقلال للدول الخاضعة لانتدابها، جراء تنامي دور الطبقة السياسية المطالبة بالاستقلال، وهذا ما تحقق في سوريا ولبنان عام 1943، أي قبل عامين من انتهاء الحرب.

 أما بريطانيا فشجعت عام 1943 على لسان وزير خارجيتها أنتوني إيدن على الوحدة العربية، وهو ما أطلق تحركا بين السعودية واليمن ولبنان وسوريا ومصر واليمن لإنشاء جامعة الدول العربية عام 1945. لكنها شجعت –في المقابل- هجرة يهود أوروبا إلى فلسطين قبل الحرب وأثناءها، مفسحة لهم الباب لإنشاء إسرائيل عام 1948 في اليوم نفسه الذي أنهت فيه انتدابها على فلسطين.

 ومع تراجع دور الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية عالميًا، إثر أزمة السويس عام 1956، انتقلت بريطانيا في الستينيات والسبعينيات إلى تصفية وجودها في شبه الجزيرة العربية؛ فانسحبت من الكويت عام 1965، ومن محمية عدن عام 1967، وتلتها ترتيبات مماثلة في مسقط وعمان (1970) وقطر والإمارات والبحرين (1971). ومنذ ذلك التاريخ، لم تشهد دول المشرق العربي تغييرا يذكر في حدودها، إلا بعد توحيد شطري اليمن عام 1990، كما أن اتفاق أوسلو عام 1993 بين إسرائيل والفلسطينيين لم يؤد عمليا إلا إلى سلطة حكم ذاتي محدودة السيادة في الضفة وغزة، وغير متواصلة جغرافيا.

بقي هذه الوضع قائما إلى أن أفضت آثار الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وثورة السوريين على نظام الرئيس بشار الأسد عام 2012، إلى قيام تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014. وفي 29 يونيو/حزيران من هذا العام أقدم أبو محمد العدناني –أحد قادة التنظيم- على إزالة نقاط حدودية بين العراق وسوريا، في إطار مزاعم التنظيم بإحياء دولة الخلافة الإسلامية، على أنقاض حدود "سايكس-بيكو".

وحول آراء الشباب في منطقة الشّام عن مدى رضاهم عن التقسيمة التي أنتجتها سايكس بيكو:

يقول محمّد الشمري، لا أعلم كيف لي أنّ أحدّد مستوى الرضا، لأننا سنكون بحاجة إلى مئة عام أخرى حتى نقرّر، أو أن الطريق الأسرع هو أن يُقرّر عنا مجدّدًا.

بينما يقول محمّد الخطيب وهو صحافي سوري، أنّه غير راضٍ بتاتًا عن تقسيمات الاتفاقية، أي نعم أن الوطن العربي هو دولتنا الكبرى كونه يجمع العرب جميعًا موحّدين باللغة والتاريخ، لكنّنا ننصدم في الواقع، أنه يضم 22 دولة حاليًا، طبعًا إذا ما افترضنا أن سوريا هي دولة واحدة مع أنّني أظنها "أربعة دويلات مكوّنة من العراق دولتين، واليمن دولتين" في الحقيقة. – حسب قوله -.

أمّا عن الناشط العراقي ستيفين نبيل، فيقول صراحة أن الحدود رسمت على دماء الشعب و الاتفاقية لم تحدّد مصير شعوب المنطقة إنّما قسّمتهم،  كأرقام مما أدّى الى نشوب حروب و دماء و مشاكل لا زالت مستمرة، إلى جانب أنّ الاستعمار رسّخ التقسيم و لم يهتم لأحوال النّاس، اهتم بحفظ مصالحه فقط.

ويشعر الصحافي أحمد ياسين من لبنان أن "السؤال عما اذا كنت راض أم لا محيّر، فلبنان لم يكن موجوداً على الخارطة ما قبل سايكس بيكو، يعني أنّ وطنه مستحدث، ويتابع أنّه ليس راضياً إن ما كان الرأي له، لكن في ظل التّبدلات الحالية اقليمياً، لبنان تمدّد نحو سوريا، وسوريا سكنت لبنان، لا حدود بعد الـ ٢٠١٣، زالت"

وعن آراء المحلّلين والسياسيّين وفقًا لما قالوا لموقع BBC:

بالنسبة إلى حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تقول أن الاتفاقية تمثل عهد الاستعمار الغربي للمنطقة ولكنها أيضا تمثل خيانة الغرب للعالم العربي، وكيف مهدت لمراحل عدم الاستقرار في المنطقة وهذا ما نعانيه من "تركة" الاستعمار هذا ممثلة بمراحل عديدة.

أمّا مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، يعتبر أننا في محاولة لتقسيم المقسم، سايكس بيكو جديد يسعى إلى تقسيمات جديدة، أخطر ما عانينا به نحن الفلسطينيين من وراء هذه الاتفاقية هو قيام دولة اسرائيل وحرمان قيام دولة فلسطينيّة.

بذات السياق، يرى انطوان صفير، صحفي وأستاذ جامعي لبناني أنّ سايكس بيكو لم يعد موجودًا كما كان على اعتبار أن الأمور التي تحصل ي المشرق العربي وغير العربي جعلنا نعيد رسم الحدود السياسية والاقتصادية والإثنيّة والمذهبية بعد تدخل أمريكا في العراق وهذا ما يحصل الآن في سوريا وفي اليمن، ما سيؤدي إلى اعادة ترسيم جديد.

وعن عماد فوزي شعيبي، رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق يقول: "نحن لا نعرف الخارطة الجيوبتولوكية القادمة بناء على يالطة جديدة لم تتعين بعد، ولم يتفق عليها الكبار الذين لا نعرف من هم، إذ ان الصين متنحية وهي رقم واحد تليها أمريكا وروسيا"

ومن العراق أيضًا: رفعت محمود: مؤرخ عراقي، يرى أن ايجابيات هذه الاتفاقية أدت إلى ما يسمى بنظام الانتداب والحماية الأجنبية على عدد من دول المنطقة التي أعلن عن استقلالها ومن ضمنها العراق ومن ثم الدول الأخرى، اما الجانب السلبي منها كان بالوضع العربي في فلسطين.