مخيم يبنا ،،، قصة لجوء
تاريخ النشر : 2016-05-15 22:41

رفح-نوى-شيرين خليفة:

يطل مخيم يبنا للاجئين الفلسطينيي على الحدود الفلسطينية المصرية كأحد الشواهد الرئيسية على أننا شعب لا يغفر ولا ينسى، فالمخيم وعبر 68 يحتفظ باسم البلدة التي هاجر منها سكانه، تبلغ مساحته900 دونم، وعدد سكانه وفق الإحصائية الأحدث يقارب 75700 نسمة.

ينتمي سكان مخيم يبنا بالسواد الأعظم إلى عائلات هاجرت من قرية يبنا قضاء الرملة عام 1948 إبان النكبة الفلسطينية، فعام 1945 بلغ عدد سكانها 6287 نسمة إلى جانب 1500 بدوي أقاموا حولها، وقد حرصوا منذ بداية اللجوء على البقاء متقاربين أملًا في العودة سويًا ذات يوم، طالت الغيبة وطال معها الانتظار وبقي المخيم شاهدًا على جريمة الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه قوى الظلم في هذا العالم الذين سهلوا للعصابات اليهودية إرهابها.

قصة يبنا

ما أن تطأ أقدامك أرض المخيم بإمكانك معرفة إن كان فيه فرحًا أو عزاء، فالناس ما زالوا يحتفظوا بعادات التواصل، ولا يمكنك أن تتوه عن بيت، فكل الناس تعرف بعضها، حتى وإن لم يكن من سكان الحارة ذاتها.

في مقابلة مع نوى تقول المسنّة أم يوسف المغاري "73عامً":"عند الهجرة كان عمري خمسة سنوات، هربنا من شدة القذائف و "قيازين النار" التي كانوا يلقوها علينا –تقصد براميل متفجرة- هربنا على بيت لاهيا وجباليا، الكل كان يهاجر ولا أحد يدري أين نذهب، حتى وصلنا إلى رفح، وكان معنا آلاف المهاجرين من كل البلدات".

عن نشأة المخيم تقول:"أقام الناس في مناطق واسعة بعيدة عن الضربات الإسرائيلية، تعرفنا على بعض بعد أن بدأ المختار بالبحث عن العائلات، كان المختار حينها هو نعيم الهمص، جمع العائلات اليبناوية وأقمنا في مكان واحد، حتى تم توزيع خيام، كل عائلة سكنت في المكان الذي حددته الكويكرز، أما أهالي يبنا فالغالبية منهم أقاموا في نفس المكان".

تؤكد أم يوسف أن المختار أراد بذلك أن يكون الناس متقاربين حتى يعودوا سويًا، وعندما بدأت وكالة الغوث ببناء بيوت المخيمات، اختاروا أيضًا البناء بنفس المكان، حتى يكونوا متجاورين لأن الناس كانت تعرف بعضها من البلاد".

تتحدث أم يوسف عن الأوضاع الإنسانية في مخيم يبنا منذ نشأته وحاله كحال باقي المخيمات من فقر شديد وسوء رعاية، فالبيوت صغيرة جدًا لا تكاد تكفي عدد الأفراد، لكن من ناحية معنوية بقي الناس يرفعون معنويات بعضهم، فتسمية المخيم باسم البلدة الأصلية بالنسبة لهم يعني أنهم لن ينسوا وأن الأمل في العودة موجود.

لم يكن في المخيم مدرسة، ولا مرافق باستثناء وحدة صحية، بمرور الوقت كان من يتعلم يحصل على وظيفة، اما البقية فبحثوا عن مصادر رزق مختلفة، فالعودة أصبحت حلمًا بعيدًا بعد نكبة عام 1967 رغم إيمان الناس بحقهم.

تكمل أم يوسف بأن المخيم عانى كثيرًا خلال الانتفاضة الأولى، فالاحتلال كان يتصرف مع أهالي المخيم باعتباره كارهًا تسميته "يبنا"، كان الاسم نكدًا على الاحتلال كما ترى أم يوسف، وتضيف:"لطالما دخلوا بيوت ناس وكسروا أبناءهم دون سبب".

أما في انتفاضة الأقصى فقد أعاد الاحتلال الكرّة من جديد باستهداف المخيم، وقد تعرضت الكثير من بيوته للقصف خاصة باعتباره يقع على الحدود، تكمل:"مع ذلك عاد الناس وبنوا بيوتهم في نفس المكان داخل المخيم أيضًا".

تؤكد أم يوسف:"حتى الصغار هنا يعرفون أن أجدادهم هاجروا تعذبوا وماذا مر بحياتهم من قسوة، وأن تسمية يبنا جاءت تأكيدًا على حق العودة، يدركون كل هذا ويعرفون أننا سنعود، عمي استشهد عام 1948، ونحن لولا ما وصلنا من أخبار دير ياسين وقتل الناس في بيوتهم لما هاجر أحد".

زارت أم يوسف بلدة يبنا قبل 15 عامًا، وتعرفت على الطريق العام وقهوة زوجها، تكمل:"حين رأيت المشهد تذكرت كل شيء وكأنه حلم، كأن لنكبة حدثت بالأمس، هناك أشياء ما زالت كما هي".

نكبة

أما الحاجة زكية الطويل 98 عامًا، والتي ما زالت تحتفظ بذاكرة جيدة رغم كبر سنها، فتتحدث عن يبنا أيام البلاد وطيبة أهلها وتسامحهم، وتضيف:"حكمونا الانجليز وحكمونا الاتراك قبلهم، الإنجليز دعموا اليهود وأحضروهم إلى فلسطين".

تكمل الطويل:"يبنا كان يحيط بها مخيم للاجئين البولنديين اسمه "كامب البولنيه" كات مخيماتهم حلوة، ولكن رجعوا بعد الحرب –تقصد العالمية الاولى-".

كان الناس في يبنا كما تقول الطويل يمضون معظم وقتهم في الحصيدة، بلد هادىء ولكن كان فيها ثوار، استشهد عمي واستشهد الكثير من الناس الذي نعرفهم".

أما زوجة ابنها أمي علي فتقول :"مخيم يبنا هنا ورث عن قرية يبنا الكثير من العادات والتقاليد، وتقارب الناس جعل هذه العادات كما هي غالبًا، المخيم كان في الانتفاضة الاولى اسمه مخيم الشرارة، وبقي الشباب على حالهم، وحتى في الانتفاضة الثانية، ما زال يقدم الشهداء والمناضلين".

بدوره يقول الحاج أحمد نعيم الهمص مختار يبنا وابن المختار الأسبق نعيم الهمص الذي سعى للحفاظ على المخيم، أن غالبية السكان فيه من بلدة يبنا وحتى العائلات الأخرى أصبح ينطبق عليها أعراف وعادات اهل يبنا التي توارثوها جيلا بعد جيل.

يكمل:"نفتخر بأن توارثنا الشهامة والتسامح وأننا ثوار، وأهلنا خلفوا لنا هذا الإرث، أردنا من خلال الحافظ على اسم المخيم ربطه ببلدتنا الأصلية في الرملة التي هاجر منها الأجداد عام 1948".

أسس أهل يبنا جمعية باسم جمعية أهالي يبنا تسعى للحفاظ على كل ما هو تاريخي فيما يخص البلدة، وإحياء المناسبات الرسمية كي لا ننسى أن لنا ارضًا محتلة، يؤكد المختار أن هذا الجهد هو جزء من إبقاء الذاكرة حية وأن مخيم يبنا هو واحد من مخيمات يحكي كل منها قصة لجوء ونكبة وشعب يصرّ على العودة مهما طال الزمن، وما تمسة المخيم بهذا الاسم الا تأكيدًا على هذا الحق.