لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين
تاريخ النشر : 2016-05-13 09:55

كشفت الحراك الشعبي الذي بدأ في تونس نهاية العام 2010 والمتواصل الى يومنا هذا عن عمق المأساة التي تعيشها الشعوب العربية. الأمل الذي صاحب الحراك الشعبي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والذي توج بالنصر على أنظمة الاستبداد في تونس ومصر، تلاشى سريعاً مع الكوارث التي لحقت بليبيا واليمن وسورية والبحرين. وبفشل الثورة المصرية بفعل الثورة المضادة المدعومة أيضاً خارجيا، تحول الربيع العربي الى شتاء قارس لدرجة أن بعض المثقفين العرب يعتبر الحراك الشعبي مؤامرة غربية لتدمير العالم العربي، وكأن الأسباب التي دفعت وتدفع لانفجار الشارع العربي معدومة. الحقيقة التي يتناساها بعض المثقفين العرب أن السؤال الذي كان مطروحاً دائماً للنقاش هو لماذا لا يتحرك العرب للدفاع عن حريتهم وكرامتهم مثل بقية شعوب الأرض. لكن عندما تحركوا، صار حراكهم مؤامرة وخيانة يجب إدانتها. مقابل هؤلاء الذين يعيشون في وهم أفكار من صناعتهم ويروجون لها بقصص تعود الى الحرب الأميركية على العراق العام 2003، هنالك سؤال مشروع وهو: هل توجد قوى ديمقراطية في العالم العربي؟ مشروعية السؤال مصدرها حقائق لا يمكن تغطيتها بتحميل أنظمة الاستبداد المسؤولية عنها. من هذه الحقائق أن القوى التي تتصارع اليوم في ليبيا على الحكم هي تلك القوى التي حاربت نظام القذافي بذريعة الاستبداد، والتي أكرمتهم قطر بالمال والسلاح وبالتوسط لدى الغرب للتدخل لمساعدتهم. ومن هذه الحقائق أن حزب الإصلاح اليمني الذي انتفض مع قوى عديدة أخرى ضد نظام العقيد علي عبد الله صالح أصبح اليوم أحد الأذرع الضاربة في اليمن للعربية السعودية. ومن الحقائق أيضاً أن قناة الربيع العربي، الجزيرة القطرية، ومفكريها الذين يروجون للديمقراطية  من بلاد لا توجد فيها ديمقراطية، لم يجدوا شيئاً يقولونه عن الانتفاضة البحرانية التي تركت للوأد. والأسوأ بأنهم يصورون المذبحة التي تتعرض لها اليمن منذ أكثر من سنة على أنها تجري بين «قوى الثورة» المدعومة من «ديمقراطيات الخليج العربي» و«جماعة الحوثيين الإيرانية»! ومن المفارقات أن التيار الإسلامي المعتدل والمدعوم أيضاً من قطر ومن نخبة المفكرين العرب الذين يعيشون في ظل نعمتها، لا يرون مشكلة في التحالف في سورية مع حركات مثل «جيش الإسلام» و «أحرار الشام» و «النصرة» والتي لا تختلف جرائمها ودمويتها عن جرائم ودموية النظام التي تحاربه! ومن الحقائق، أن نفس التيار الإسلامي الذي فاز بالانتخابات الديمقراطية في مصر في حزيران 2012، هو نفس التيار الذي فضل التحالف مع الجماعات السلفية والجيش على حساب القوى التي أشعلت الثورة وأسقطت مبارك. ومن الحقائق، أن قوى الثورة أو ما يسمى بالقوى الليبرالية ومنها قوى يسارية والتي ثارت على الجيش في مصر بعد إسقاط مبارك، لم تجد حرجاً في العودة للتحالف معه لإسقاط التيار الإسلامي. بل إن بعضهم امتنع عن إدانة فض اعتصام رابعة التي سقط خلالها المئات خلال ساعات معدودة في سابقة لم تحدث من قبل في العالم العربي. وهؤلاء أو جزء منهم على الأقل يعتقد بأن كل شيء كان على ما يرام في سورية، لكن الغرب أراد الإطاحة بآخر معاقل المقاومة. في شريعة هؤلاء يمكن إسقاط صفة الاستبداد والفساد عن الأنظمة التي ترفع شعار مقاومة إسرائيل، حتى لو لم تقاومه فعلاً. هل يستحيل الجمع بين المقاومة والديمقراطية؟ هل يستحيل الجمع بين محاربة أنظمة الاستبداد والديمقراطية؟ بالطبع الإجابة واضحة، لكن ما هو غير واضح للقارئ هو لماذا لم تحدث عملية الجمع بين المقاومة والديمقراطية، وبين محاربة أنظمة الاستبداد والديمقراطية. الجواب في تقديري بسيط: الديمقراطية بحاجة الى ديمقراطيين والنخب العربية التي تخوض الصراع على الجبهتين: مقاومة الاستبداد ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي لا تؤمن بالديمقراطية، أو على الأقل إيمانها مشروط باستلامها للسلطة، أو مشروط بقدرتها على فرض برامجها هي. أنا لا أتحدث هنا عن العصابات المجرمة مثل «النصرة» و«جيش الإسلام» التي تحارب نظاما يشبهها، ولكن عن التيار الإسلامي الذي يفضل أن يسمي نفسه «تيار الإسلام الوسطي»، وعن القوى التي تدعي الليبرالية في العالم العربي. تيار الإسلام الوسطي الذي يشق طريقة للسلطة عبر أموال الخليج العربي، ومن خلال قطر التي تقدمه للولايات المتحدة على أنه حليف مضمون ولا خوف منه إذا استلم السلطة في أي دولة عربية هو تيار لا يزال بعيدا عن القناعة بالديمقراطية. على الأكثر هو تيار برغماتي، انتهازي يريد السلطة بأي ثمن، لذلك نراه يتبنى مواقف الدول التي تدعمه بالقول والفعل في اليمن وسورية ولا يمانع بأن يكون بوقاً في الصراع الطائفي الذي تصدره تلك الدول والذي راح ضحيته مئات الآلاف خلال السنوات الخمس الأخيرة. هذا التيار لو كان يؤمن بالديمقراطية لجعل أولويته محاربة الطائفية بكل أشكالها في العالم العربي، وكان سيرفض بأن يكون أداة في حروب أهلية يستحيل أن تكون نتائجها بناء أنظمة ديمقراطية. وفوق ذلك كله، كان سيعمل على مشاريع للتوافق الوطني في كل قطر عربي قائمة على ضمان المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الطائفة والقناعة الفكرية والجنس. لكنه لم يفعل حتى عندما مكنته براغماتيته من الحكم مثلما حدث في مصر. التيار الذي يمكن تسميته مجازاً بالليبرالي وهو عبارة عن خليط من يسار لا يزال يعتقد بأن روسيا دولة اشتراكية، ومن قوميين عرب لا يزالون يعيشون وهم أن حزب البعث السوري هو حزب قومي عربي مقاوم، أو ناصريين يرون الدولة بعيون جيشها، أو بعثيين عراقيين يرون صدام ولا يرون العراق في زمانه. ومنهم ليبراليون يؤمنون بالحريات على إطلاقها ولكنهم يرون الخطر القادم من الإسلاميين ولا يرونه عندما يكون قادما من الجيش. هؤلاء تحكمهم أيديولوجيات غير ديمقراطية، وهم بالتالي جزء من مشكلة غياب الديمقراطية في العالم العربي. الديمقراطية لا يمكن أن تنتصر في العالم العربي إلا إذا كان هنالك ديمقراطيون يؤمنون بها ويصارعون من أجلها، والى أن يظهر هؤلاء ويتقدموا لقيادة الجموع الغاضبة من الفقر والظلم والقمع، فإن المسار الدموي  الحالي التي تعيشه معظم الدول العربية سيستمر.