مرح الواديّة – نوى
كما يُتوقّع بالضبط، تبادل حكّام قطاع غزّة وحكّام الضفّة الفلسطينيّة، الاتّهامات فيما يخص تحمّل مسؤولية وفاة يسرا، ورهف وناصر أبو هندي حرقًا بفعل أزمة الكهرباء التي يعانيها القطاع منذ نحو عشرة أعوام، وفي ظل صخب الوجع الذي ضرب الأب والأم ومن قبلهم آباء وأمّهات كثيرين، نجد أن الحدث، وكل حدث إنساني في القطاع صار مكبّلًا بقضايا شائكة تحكمها السياسة بشكل أو بآخر.
وفي سياق مرتبط، بات مفترق السرايا وسط مدينة غزّة يشكّل مكانًا ينطق باسم حركة حماس لإيصال الرسالة التي تريد، من خلال "يافطة" تتجاوز الثلاثة أمتار طولًا وعرضًا، تحمل في مضمونها غالبًا تنصلًا من المسؤوليّة واتهام أطراف أخرى بقضيّة ما، كان آخرها وفاة الأطفال الثلاثة حرقًا، مستخدمين صورة الأم –بالطبع دون استشارتها -، بذات اليافطة التي ضمّت صورة محمود عبّاس ورامي الحمدلله وقد لطّخت وجوههم بالدماء، وكتابة: "دماؤنا في أعناقكم.. سيادة الرئيس ورئيس الوزراء".
حول الموضوع، كتب المحامي كرم شحادة عبر صفحته الشخصيّة في موقع "فايسبوك": "عند مفترق السّرايا، تُعلّق حماسة لافتة ضخمة تزعم فيها - ضمن مزاعم أخرى - أنّ الاحتلال وافق على تزويد #غزة بـ 100 ميجاوات من الكهرباء - نسيَتْ أن تُقدّم شكرها لفائض كرمه، وسموّ أخلاقه، وبالغ حنانه! - وتدّعي أن محمود عباس هو الذي يُعطّل الاتفاق."
وبالنسبة إلى التنصّل من المسؤوليّة، يقول: "وبعيداً عن المناكفات بين دولة غزة ودولة الضّفة الشّقيقة، والمنازعات الدائرة بين حكومتي البلدين، كيف تسمح حماس لنفسها بالحديث عن الانتصار، وتدّعي وقوفها شوكة في حلْق العدو، وهي حتى الكهرباء - عِماد الحياة - لا تستغني عن الاحتلال في توفيرها للبقعة الجغرافيّة التي تقع تحت سيطرتها!"، ويتساءل أيضًا: "أمّا السؤال الأزليّ الذي لا ينفكّ يراود أفئدتنا، إنْ كان عبّاس هو المحاصر والمتآمر، ودولة الاحتلال هي القلب الرؤوف والصّدر الحنون، فلِمَ تجلسون مع الأوّل وتُفاوضوه، وتُعادون الأخير وتحاربوه!"
بدورها، تقول منى حجازي وهي صحافيّة مقيمة في قطاع غزّة، أن السعي نحو تسييس القضايا الإنسانيّة، ما هو إلا هروب من المسؤولية الإنسانية والوطنية التي تقع على عاتق المسؤولين، وتضيف: "الكل يرمي الكرة بملعب الأخر ويوجه الاتهام للطرف الأخر، وكأنّه يستغل وقوع المآسي لكي يبين للشعب أنه الأفضل وأنه يعمل ويحاول، والطرف الأخر هو المتهم والمقصر"
وترى أن" الكل مسؤول ومشارك بما يجري، فقصة حرق الأطفال، برأيي وحّدت قلوب الشعب وتضامنه، وزادت المنقسمين السياسيين انقسامًا، وكل ذلك بالمحصلة يدفع ثمنه الأبرياء والبسطاء من عامة الشعب".
أمّا عن موقف نشطاء حماس، يرى حازم قاسم وهو ناشط سياسي في حركة حماس، يقول أن: "تسييس الأزمات الإنسانيّة في قطاع غزة هدفها تعميق هذه الازمات وعرقلة أي إمكانية لإيجاد حلول لها، كما أن التسييس سيعقد تعاطي الأطراف المختلفة في التعاطي مع هذه الأزمات في حال هي قررت مساعدة ما في حلها" ويشير إلى أنّ حماس ترفض مثل هذه السياسية وتدعو لوضعها في إطارها الإنساني والتعاطي مع الحلول ضمن الإطار الوطني الجامع بعيدًا عن الفصائلية والفئوية، كما أنّ حماس ستكون داعمة لأي اقتراح بهذا البعد لتفكيك الأزمات وستتعاطى معه بإيجابية كاملة.
يوضح أيضًا: "الحركة لا تسعى اطلاقا للهروب من مسئولياتها تجاه القطاع، وتقوم بجهود واضحة في هذا المجال وتحمل هذه المطالب عند كل الأطراف التي تستطيع التواصل معها لإقناعها بإيجاد حلول. فحماس بحكم انها حصلت على الأغلبية البرلمانية في آخر انتخابات تشريعية لا تستطيع التهرّب من مسؤولياتها الوطنية والدستوريّة، وسيظل هدف رفع الحصار وتفكيك الازمات احد الأهداف الاستراتيجية للحركة بأجهزتها المختلفة". ويعتبر أن تشكيل لجنة إداريّة لأزمة الكهرباء من كافة الفصائل دليل على تحمّل المسؤولية وأن لا علاقة للحركة بشركة توزيع الكهرباء.
وعن سبب عدم وجود حلول جذرية، يقول: "رغبة العديد من الأطراف بإبقاء الحصار على القطاع، ومحاولة كسر إرادة الشعب الفلسطيني نتيجة لتشكيله حاضنة للمقاومة، وهو ما تفعله إسرائيل، كما ان السلطة الفلسطينية ما زالت تعطل إمكانية تفكيك هذه الازمات رغبة منها في استمرار الانقسام، وزيادة هيمنتها على المشهد الفلسطيني، واقصاء حماس عن المشهد السياسي، ورغبة السلطة بتمرير مشاريعها السياسية الفاقدة للشعبية."
بينما يقول محمود وليد، وهو مدوّن، أنه لا يمكن فصل الإنساني عن السياسي، وخصوصًا عندما يكون الحديث في السياق الفلسطيني. مشيرًا إلى أن إغلاق المعابر وحرمان الناس من حق "إنساني"، هو في المقام الأول قرار مستعمر "سياسي".
ومن وجهة نظره، يعتبره أن ما تمارسه السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة، هو في المقام الأول قرار سياسي، وإجراءات عقابية تطال الغزيين في كل أمور معيشتهم. ولكن من المؤكد أن هذا لا يعفي من يقوم على حكم غزة "واقعيًا" من مسؤولياتهم تجاه أي حدث يمس الغزيين ومعيشتهم. وخصوصًا إذا كانوا شركاء في المعاناة." مضيفًا: "أنا موقن أنه إذا ما أردا أحدٌ أن يتحدث عن تغييرات حقيقة على المستوى "الإنساني-المعيشي" في قطاع غزة، فعليه قبل ذلك الحديث عن تغييرات حقيقة تطال المستويين السياسي والاقتصادي".
وفي حصيلتها الأخيرة، أشارت أعمال الرصد والتوثيق التي يقوم بها مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى أن 29 شخصا قتلوا حرقا أو اختناقا جراء أزمة نقص إمدادات الكهرباء من بينهم 24 طفلا منذ عام 2010 والتي كان آخرها وفاة ثلاثة أطفال من عائلة الهندي مساء الجمعة الماضية جراء احتراق منزلهم بسبب استخدام اشعال شمعة وسط انقطاع التيار الكهربائي.
