صادق خان: تجديد التعددية الثقافية وتصحيحها
تاريخ النشر : 2016-05-08 08:12

ثمة الكثير مما يُبهج في فوز صادق خان رئيساً لبلدية لندن، كما ثمة الكثير مما يثير المخاوف إزاء مستقبلات تعايش المسلمين في الغرب واتجاهاته. أول ما يُبهج هو علو قامة تعددية وكوزموبوليتانية هذه المدينة العريقة، التي لم تنحن أمام هوج تيارات العنصرية والإسلاموفوبيا التي عصفت بأوروبا في السنوات الأخيرة. لندن التي ظلت تكبر وتتوسع تعددياً وتعايشيا إلى ان تساوى فيها عدد من ينحدر إلى أصول انجلوـ ساكسونية مع عدد من ينحدر إلى أصول أُخرى تقدم صفعتين بذات القوة لطرفين متناقضين: صفعة في وجه العنصريات الأوروبية وتيارات اليمين المتطرف التي اشتغلت على تخويف وإرهاب شعوبها من المسلمين، وصفعة قوية أُخرى في وجه العنصريات الإسلاموية وتيارات التعصب الديني التي اشتغلت بدورها على اختزال الغرب وأوروبا بتعريفات "الكفر والكفار" وتسويغ الإرهاب ضد المدن والمدنيين هنا وهناك، من باريس إلى بروكسل وغيرهما. يُبهج كثيراً أن أطروحة التعددية الثقافية التي قام عليها الجزء الأعرض من التسيس الاجتماعي في أوروبا وأميركا الشمالية تستنشق الآن دفقة هواء صحي بعد سنوات من الهجوم المُستمر عليها من قبل سياسيين ومفكرين وحتى مؤيدين سابقين لها، انشقوا عنها. التعددية الثقافية، وخاصة في تعبيرها الانجلوـ سكسوني، ونماذجه البريطانية والألمانية والهولندية الأبرز في أوروبا، تعني الاحتفاء بالتعدديات الدينية والإثنية وعدم مطاردتها او محاولة إنهائها عبر برامج الإدماج القسري في ثقافة وقومية عليا موحدة، كما حاولت فرنسا طيلة تاريخها (خلال وبعد حقبة الاستعمار). أنصار التعددية الثقافية، وباختصار مبتسر، يجادلون بأن إفساح المجال للثقافات والأديان والطوائف والإثنيات المختلفة كي تعبر عن ذواتها في سياق تعددي وليبرالي واسع سوف يجرجرها إلى تيار الوسط العام، ويقلم تطرفاتها الدينية او القومية من دون تدخل الدولة والسياسة، مُبقيا على ما هو تعايشي فيها، ونابذا لما هو كريه فيها. السياسة البديلة، كما يشير أنصار التعددية الثقافية، تعني إجبار الأقليات والجاليات على تبني ثقافة وممارسات البلد والمجتمع المُستضيف، بالقسر المباشر أو غير المباشر. وهذا يقود إلى استفزاز ردود فعل دفاعية وهجومية قصوى عن الهويات والأديان بما ينعش جوانب التطرف فيها ويقوي متطرفيها، وهكذا وعوض ان تتدحرج الغالبيات نحو الوسط العام، تتشتت إلى هوامش التطرف بعيدا عن الضوء او تحت الارض. تمتلك التعددية الثقافية تماسكاً نظرياً تسنده وقائع وتواريخ طويلة، مقارنة بنظرية الإدماج الثقافي الفوقي التي يبرز النموذج الفرنسي كمثال رئيس لها، وهي وقائع تعود بعيدا إلى حقب الاستعمار البريطاني والفرنسي وآليات اشتغالهما في البلدان المُستعمرة. لم يرد البريطانيون تحويل الشعوب والمجتمعات التي استعمروها إلى بريطانيين ثقافة ودينا وممارسة بل اهتموا بولاء الجميع السياسي للعرش البريطاني والخضوع لسيادته. على الضد من ذلك، تملك الفرنسيون هاجس فرنسة الشعوب والمجتمعات التي استعمروها وتحويلهم إلى جزء من "فرنسا الام" وثقافتها ولغتها، بالطوع تفضيلا وبالقسر إن لزم الأمر.