غزة-نوى-شيرين خليفة:
رغم عراقة التجربة الإعلامية الفلسطينية؛ إلا أن واقع الإعلام الحالي ومحدودية قدرته على نقل الرواية الإعلامية الفلسطينية؛ جعلته أمام تحديات جسام تحتاج إلى معالجة سريعة وعلى مختلف الصعد، "الإعلام الفلسطيني... واقع وتوصيات"؛ كان عنوان مؤتمر عقدته مؤسسة بيت الصحافة في مدينة غزة، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.
المؤتمر الذي حضره العشرات من الصحفيات والصحفيين وممثلي المؤسسات المحلية والدولية، قدم المشاركون فيه مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تشكّل إسهامًا نحو تحسين واقع الإعلام المحلي، من خلال معالجة أوراقه الأربع لواقع الحريات الإعلامية والتطوع في المؤسسات الإعلامية، كذلك مناقشة موضوع الخطاب الإعلامي الفلسطيني الموجه للخارج، وأخيرًا مناهد التعليم ومدى استجابتها للتطورات الراهنة.
المشاركون والحضور أوصوا بملاحقة مرتكبي انتهاكات ضد الصحفيين وخاصة الاحتلال الإسرائيلي الذي قتل 17 صحفيًا خلال العدوان الإسرائيلي على قطا غزة عام 2014م؛ وضرورة وجود دور أكبر لنقابة الصحفيين في متابعة ملف المتطوعين وإقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات وإنشاء مجلس أعلى للصحافة، وكذلك إعادة النظر في المناهج الدراسية التي يتم تقديمها لطلبة الإعلام حفاظًا على جودة التعليم.
الجلسة الأولى
في الجلسة الأولى للمؤتمر والتي تضمنت ورقتي عمل، تحدث د.أحمد حماد أستاذ الإعلام بجامعة الأقصى بمدينة غزة حول "واقع الحريات الإعلامية في فلسطين"؛ مؤكدًا أن قانون النشر والمطبوعات الفلسطيني لعام 1995 المعمول به حاليًا، جاء في بعض مواده منسجمًا مع المعايير الدولية الخاصة بحماية حق التعبير وحرية الرأي و التفكير، لكنه أغفل التفريق بين حرية الصحفي وحرية العمل الإعلامي.
يؤكد حماد كذلك أن عشرات الصحفيين سقطوا ضحايا لرصاص الاحتلال الإسرائيلي على مدار العقود الأربع الماضية، ولم تقتصر جرائم الاحتلال ضد الصحافة عند هذا الحد بل امتدت إلى تقييد حرية الصحافيين الفلسطينيين ومنعهم من التحرك بحرية.
يضيف أن الانقسام السياسي الفلسطيني انعكس سلباً على حرية الإعلام، وأنه في السنوات الأولى شهدت فلسطين استقطاباً إعلامياً، ساهم في تعميق الانقسام بدل أن يكون الإعلام الفلسطيني سلاحًا لإنهائه والتأكيد على مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وما يترتب على ذلك من قضايا في غاية الأهمية.
في ختام ورقته يوصي حماد بملاحقة مرتكبي الانتهاكات من ضباط وجنود جيش الاحتلال الاسرائيلي، وفي مقدمتها جرائم القتل التي طالت 17 صحافيًا وعاملًا في الإعلام ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات ضد الصحفيين وفي مقدمتها الاعتداءات الجسدية، التي شكّلت جزءًا كبيرًا من مجمل الانتهاكات، ووقف الملاحقة والمراقبة للصحفيين ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما يوصي بوضع حد لعمليات الاستدعاء والتحقيق التي تحولت لنوع من العقوبات ووسائل الضغط على الصحفيين، وإقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات، وتأسيس مجلس أعلى للإعلام من خلال الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والإعلاميين وبالاستعانة بخبرات أكاديمية متخصصة في القانون والإعلام.
أما في ورقته حول "واقع العمل التطوعي في المؤسسات الإعلامية" يؤكد المحامي بكر التركماني المستشار القانوني لائتلاف أمان؛ أن الكثير من خريجي ومتدربي الصحافة يتواجدون بكثرة في المؤسسات الإعلامية لفترة طويلة تحت عنوان "متدرب"، وأورد التركماني جانبًا من أوجه الاستغلال التي يتعرضون لها مثل تكليفهم بالكثير من المهام والوعود بعمل، وعدم توفير أي عائد مالي ولو تحت بند مواصلات.
يشير التركماني إلى أنه من بين أسباب اضطرار الخريجين للتطوع هو قلة فرص العمل المتوفرة بالتالي يتحمل أملًا في الحصول على وظيفة داخل المؤسسة نفسها، كما أن هذه المؤسسات لم تضع سقفًا زمنيًا للعمل التطوعي من قبل الشباب.
يؤكد التركماني كذلك أن عدم وجود نظام يحكم عملية التطوع أو التدريب أو العمل الجزئي في المؤسسات الإعلامية، وغياب هذا النظام يعد واحد من أهم العوامل المساعدة على انتهاك حقوقهم، إضافة إلى غياب دور نقابة الصحفيين في متابعة الملف وغياب الوعي أيضًا لدى الخريجين أنفسهم.
يوصي التركماني في ختام كلمته بأن تهتم المؤسسات الإعلامية، بتنظيم العمل التطوعي لديها، وأن تتعاون المؤسسات الإعلامية الأهلية والحكومية والنقابات من أجل وضع منهج عملي وفني للتطوع داخل المؤسسات الإعلامية.
يوصي كذلك بضرورة وجود قانون ينظم العمل التطوعي في فلسطين فقانون العمل الفلسطيني لم يعالج هذا الموضوع، إ ضافة إلى قيام المؤسسة النقابية بدورها من أجل حماية المتطوعين والمتدربين ومنع استغلالهم من خلال تفعيل دورها الرقابي.
الجلسة الثانية
في الجلسة الثانية يتحدث الإعلامي سعود أبو رمضان في ورقة عمل بعنوان "أوجه القصور في مخاطبة الإعلام الدولي"، أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم كافة قدراته الإعلامية معتمدًا على الثقافة واللغة في إقناع الرأي العام وخاصة الغربي بصدق روايته وبطلان الرواية الفلسطينية.
يشير أبو رمضان أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى لخداع الرأي العام الدولي مستندًا إلى أربعة عوامل رئيسية هي عامل الدين إذ هناك تقاربًا بين الدين المسيحي واليهودي في المجتمعات الغربية، وعامل الثقافة واللغة فغالبية اليهود الذين استوطنوا فلسطين جذورهم غربية، إضافة إلى ضعف الإعلام الفلسطيني والعربي، واستناد الإعلام الإسرائيلي إلى الدقة في العمل.
يطالب أبو رمضان الإعلام الفلسطيني بإعداد الخطط اللازمة لمواجهة الإعلام الإسرائيلي من خلال تشكيل مجموعة تضم عدد من الخبراء الفلسطينيين والعرب، خصوصًا الذين يعيشون في المهجر، وتدريب جيل من الإعلاميين المهنيين وليس العقائديين.
كذلك يوصي بالتركيز على الجاليات الفلسطينية التي تعيش في الخارج والسعي لإيجاد مقرات ومكاتب لوسائل الإعلام الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالاحتلال يهتم بوجود مكاتب لوسائل الإعلام الكبرى في القدس الغربية.
يطالب أبو رمضان القيادة الفلسطينية وخاصة وزارة الإعلام بالتعاون مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية بالضغط على كافة وسائل الإعلام الدولية بافتتاح مكاتب رئيسية لها في الأراضي الفلسطينية أسوة بالاحتلال، وتعيين ناطقين باللغات الأجنبية متخصصين في مجالات الإعلام المختلفة ولديهم الخبرة الكافية في إطلاق التصريحات المناسبة والتي تخدم القضية الفلسطينية دوليا.
بدوره يتحدث د.وائل عبد العال في ورقة عمل حول "تعزيز الجوانب التطبيقية في كليات الإعلام" إن التطور الهائل الذي شهدته وسائل وتكنولوجيا الاتصال في السنوات العشر الأخيرة فرض واقعًا جديدًا في عالم الإعلام، فلم تعد مفاهيم الإعلام التي احتوتها أدبيات الاعلام العربي تصلح لهذا الزمن.
يكمل بأن الواقع يكشف الفجوة الكبيرة بين نظام تعليم الصحافة والإعلام وبين ما يشهده العالم من تطور في هذا المجال الأمر ما يجعل من الصعب الإبقاء على مناهج وطرق تدريس الإعلام التقليدية ولم تعد صالحة للممارسة الأكاديمية، وضرورة إعادة النظر وتقييم العملية الأكاديمية الإعلامية برمتها وصولاً إلى صياغة مناهج جديدة، وأساليب تعليمية وتدريبية جديد، وأساتذة إعلام تجمع بين التجربة - تجربة الميدان - وبين العلم الاكاديمي وهو أمر حيوي لا مفر منه.
يضيف إن واقع كليات وأقسام الإعلام في فلسطين عموماً – وفي قطاع غزة على وجه الخصوص يبرز الإشكالية الكبيرة في شكل ومحتوى هذِه الخطط، فمعظم برامج الاعلام لم تطور نظمًا للجودة الأكاديمية، أو للتميز والمنافسة حيث إن معظم الخطط الدراسية تقليدية، ولم تستجب للتحديث، فما زالت معظم برامج الإعلام ، غير محدثة بما يواكب التطور الذي شهده علم الإعلام، ولم تُدخَل إليها مواد في الإعلام الجديد، ولم تستجب للتطور الهائل في تكنولوجيا الاتصال.
يوصي عبد العال في نهاية ورقته بإعادة النظر في المناهج الدراسية لتخصصات الصحافة و الإعلام في الجامعات الفلسطينية ووضع خطة تطويرية شاملة بحيث يتم بموجبها إلزام أقسام الإعلام على احتواء الخطط والمناهج على الحد المعقول من المحتوى التطبيقي (بنسبة ٥٠٪ بحد أدى).
يؤكد عبد العال ضرورة أن تستجيب التحديثات في الخطط الدراسية لبرامج الصحافة والإعلام إلى التطورات المتسارعة في هذا المجال وتوظيف استخدامات تكنولوجيا الرقمية التعليم ضمن الجهود التعليمية وبما يعزز مجالات فهم الطالب للمادة الدراسية ويزيد من تفاعله معها، والاستثمار في البنى التحتية لأقسام وبرامج الإعلام وذلك بتوفير المرافق كالمختبرات والاستوديوهات والمعدات الفنية والتقنية لتوفير بيئة تدريب وتعليم قريبة من واقع السوق.
كذلك إيجاد نماذج محاكاة لتدريب الطلبة في المساقات العملية كإنشاء نموذج يحاكي مؤسسات الإعلام وبيئاته المختلفة كالحروب والاضطرابات وكيف يمكن للصحفي ان يعيش هذه الأجواء ويتعامل معها علي كل الصعد المهنية والتي تساهم في دمج وانخراط الطلبة في الواقع العملي والميداني أثناء مراحل الدراسة المختلفة وتهيئته لميدان العمل.
