قررت كتابة هذه المقالة بعدما شاهدت المقابلة التي أجرتها القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي مع الرئيس محمود عباس كاملة، وكانت أقرب إلى الاستجواب منها إلى مقابلة صحافية. وبدا الرئيس فيها في قفص الاتهام مدافعًا عن نفسه، ومقدمًا ضمانات بتحمّل مسؤولياته كاملة إذا التزمت القوات الإسرائيلية بعدم اقتحام المدن الفلسطينية، مطالبًا «بمنحه أسبوعًا فقط، وإذا لم ينجح يمكن عودة القوات الإسرائيلية، ويمكن أن يسلّم بنيامين نتنياهو السلطة مع تحية سلام»، محذرًا بأن «السلطة على وشك الانهيار وأنه من دون تعاون أمني ستقع الفوضى».
قلّبت الأمر على مختلف الوجوه، وتساءلت: ما الذي يدفع الرئيس أن يقوم بحملة واسعة لكسب الرأي العام الإسرائيلي شملت السماح بتعميده من حاخام يهودي، ولقاءات لا تنتهي مع جماعات مختلفة في إسرائيل، وإرسال وفد من العشرات بينهم عضو لجنة تنفيذية للمنظمة وعضو لجنة مركزية في «فتح» للتعزية بجنرال احتلالي مسؤول عن جرائم الاحتلال وخائن لشعبه وطائفته من خلال الانضمام إلى جيش الاحتلال؟ وما الذي يدفع الرئيس لوصف القضاء الإسرائيلي المسخّر لخدمة المشروع الاستعماري الاستيطاني بالعادل؟
لماذا اتخذ الرئيس المواقف تلك أثناء المقابلة مع الصحافية إيلانا دايان، حين ساوى بين الضحية والجلاد من خلال قوله «إن الطرفين يمارسان التحريض، وإن الشعبين يريدان السلام وإنسانيان، وإن الجرائم مثل إعدام عبد الفتاح الشريف استثناء؟». لماذا يؤكد أن «الأمن الفلسطيني يفتش حقائب الطلاب في المدارس بحثًا عن السكاكين٬ وأنه وجد في حقائب الطلاب في مدرسة واحدة سبعين سكيناً٬ علماً أن كلامه يبرر٬ وإن بشكل غير مباشر٬ ما تقوم به قطعان المستوطنين المدججين بالسلاح من جرائم (هناك ثلاثمئة وثمانون ألف مستوطن مسلح٬ إضافة إلى مئات الآلاف من الجنود في جيش الاحتلال)؟ ألم يشاهد العالم بأسره ما حصل مع الشهيد عبد الفتاح الشريف الذي قُتل وهو ملقى على الأرض جريحاً لا يقوى على الحركة٬ وبعدما تأكد ضابط إسرائيلي أنه لا يملك حزاماً ناسفاً؟
بالتأكيد، إن ما يدفع الرئيس إلى ذلك هو اعتقاده بأنه يستطيع عبر هذا الطريق اختراق المجتمع الإسرائيلي بما يخدم الشعب الفلسطيني. فهل نجح في ذلك؟
قبل الإجابة عن السؤال٬ لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس لديه قناعة راسخة منذ وقت طويل٬ مفادها أن الحوار والمفاوضات وكسر الحاجز النفسي في الصراع٬ وإعلام الإسرائيليين بما تريده غالبية الفلسطينيين من عدل نسبي٬ وتقديم التنازلات في سبيل ذلك٬ هو الطريق الوحيد لتحقيق حل الدولتين والعيش بسلام.
لقد قام «اتفاق أوسلو» على تلك النظرية التي تبسّط الصراع وتتجاهل الطبيعة الاستيطانية العنصرية الإجلائية للمشروع الصهيوني، والامتيازات التي يتمتع بها اليهود نظير الاحتلال ودور إسرائيل الوظيفي، وتتصوّر أن الحوار وإثبات أن الفلسطينيين مستعدون لتقديم التنازلات المطلوبة سيشجع الإسرائيليين على أن يحذوا حذوهم وبالتالي يتحقق السلام.
ماذا كانت النتيجة بعدما نفّذ الجانب الفلسطيني التزاماته في «خريطة الطريق» من جانب واحد، وتبنّى خطة إقامة مؤسسات الدولة وإثبات الجدارة تحت الاحتلال من أجل إنهاء هذا الاحتلال؟ هل أصبح المجتمع الإسرائيلي بعد كل هذه الحملات جاهزًا للسلام، أم أصبح أكثر تطرفًا وعنصرية وعدوانية، وأكثر بُعدًا عن السلام؟ لقد دفع التنكر الإسرائيلي للحقوق الفلسطينيين ولعدم تطبيق اتفاق أوسلو على سوئه إلى اعتراف الرئيس خلال السنوات الست السابقة بفشل رهانه على المفاوضات (أو كما يحب أن يقول إنّ «اتفاق أوسلو» أُفْشِل) وإلى التهديد بالاستقالة وتسليم مفاتيح السلطة، وصولًا إلى اتخاذ قرارات المجلس المركزي (لا تزال حبرًا على ورق) التي نصّت على ضرورة عدم استمرار الالتزام الفلسطيني من جانب واحد، وأن العلاقة مع إسرائيل يجب أن تتغير من علاقة مع شريك سلام إلى علاقة مع احتلال.
وقد أحيت حكومة نتنياهو بعد كل هذا «الاعتدال» الفلسطيني خطة إقامة «إسرائيل الكبرى»، وأزالت الخط الأخضر، وديّنت الصراع، وتخلّت عن حل الدولتين، ومضت بعيدًا في التطهير العنصري، وتهويد القدس وأسرلتها، وهدم المنازل، وشن الاعتداءات على قطاع غزة واستمرار حصاره، ووضعت مخططات لزيادة عدد المستوطنين إلى مليون مستوطن خلال سنوات قليلة.
يكفي أن نورد بعض نتائج الاستطلاعات الأخيرة التي أوضحت أن المعضلة لا تكمن في وجود حكومة إسرائيلية متطرفة، وإنما في وجود مجتمع متطرف لم يعُد الصراع فيه بين اليمين واليسار حتى بالمقاييس الصهيونية، وإنما بين اليمين واليمين المتطرف، لدرجة المطالبة بقتل وزير الحرب موشيه يعلون لأنه أراد أن يحمي صورة إسرائيل من خلال إدانة الجندي الذي قتل الشريف في وضح النهار وبدم بارد، وتصويره بأنه حادث استثنائي. وقد لاحظنا أن غالبية الإسرائيلين كانوا وراء حكومتهم في حروبها ضد قطاع غزة وطالبوها بالاستمرار في هذه الحروب.
لقد أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن ستة وسبعين في المئة من الإسرائيليين كانت ضد اعتقال قاتل الشريف، وأيّدوا الفتوى العنصرية التي أطلقها الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين يتسحاق يوسف (طالب بطرد الفلسطينيين إلى السعودية)، بينما اعتبر سبعة وخمسون في المئة منهم أنه لم تكن هناك حاجة لاعتقال الجندي أو فتح تحقيق معه، ورأى اثنان وأربعون في المئة منهم أن قتل الشريف وهو عاجز عن الحركة عمل مسؤول.
وفي الشهر الماضي، نشر معهد الاستطلاعات الأميركي «بيو» نتائج استطلاع أجراه في إسرائيل جاء فيه: إن نحو خمسين في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون طرد الفلسطينيين من وطنهم، فيما أيّد تسعة وسبعون في المئة منهم التمييز العنصري ضد فلسطينيي ثمانية وأربعين، وتظاهر الإسرائيليون بقيادة زعماء مثل نفتالي بينيت، وزير التعليم (الذي يتباهى بعدد الفلسطينيين الذين قتلهم) وأفيغدور ليبرمان (الذي طالب برمي الأسرى في البحر الميت)، مطالبين بالإفراج عن قاتل الشريف، ما دفع رئيس الحكومة للتراجع عن موقف سابق له أدان فيه الجريمة.
كانت ردة الفعل الإسرائيلية على حملة الرئيس الحالية كالعادة غير مكترثة بما قاله ويفعله باستثناء بعض الأصوات السياسية والإعلامية القليلة، أما الحكومة والغالبية فطالبوا بالمزيد، لأنهم يريدونه، كما قال في المقابلة عميلًا وليس شريكًا.
وطالب حنان كريستال، وهو معلّق في سلطة البث الإسرائيلية، الرئيس بوقف رهاناته على الرأي العام في إسرائيل، بسبب انزياحه المتواصل والمتسارع لليمين، فرأى أن على عباس التريث٬ إذ «لو قدم رؤوس قادة حركتي حماس والجهاد على طبق من فضة لإسرائيل، ولو انضم للجنة التنفيذية لحزب الليكود، فلن يغير هذا الأمر من توجهات الإسرائيليين».
أما يوسي كوبر فاسر، فكتب في «هآرتس»: «إن حديث الرئيس ليس جيدًا، لأنه لم يُقنع ضيوفه من اليهود الشرقيين، فلماذا لا يندّد أبو مازن بالعمليات بدل الحديث دائمًا عن أننا بشر، ولماذا لا يوجه هذا الحديث إلى أبناء شعبه، ولماذا لا يتحدث عن حل الدولتين لشعبين، ولماذا لا يستخدم أبدًا مصطلح الشعب اليهودي؟». وأضاف فاسر «أن عباس لا يحيد عن الرواية الفلسطينية التي تقف وراء إرهاب السكاكين، وأن حديثه عن إقناع الأطفال بعدم تنفيذ عمليات طعن، وعن تفتيش حقائب الطلاب وسحب سبعين سكينًا في مدرسة واحدة يظهر أن بمقدوره وقف الظاهرة أو تقليصها، فلماذا قرر الآن فقط أن يفعل ذلك؟».
كل ما سبق يدلّ على أن هذه التنازلات لا تشجع الإسرائيليين على تقديم تنازل مقابل، بل تفتح شهيتهم للحصول على تنازلات أخرى وأكبر، وهذه هي النتيجة التي حصدها أنصار أوسلو والمفاوضات الثنائية ودعاة الحوار والتطبيع ولجنة التواصل، لدرجة باتوا يتحدثون فيها عن «تحريض متبادل» من الجانبين، متجاهلين أن الاحتلال ذروة التحريض، ولا يمكن مقارنته بأي حال بما يُسمى «التحريض» الفلسطيني، بل إن مجرد تشكيل لجنة لوقف التحريض المتبادل ينطوي على إهانة بالغة لنضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة.
تنبغي مراجعة هذه السياسة كليًا، فهي لم تحصد إلا الفشل ولم تدفع إسرائيل سوى إلى الإمعان في التطرّف. وقد لاحظنا أن المباحثات لوقف اقتحام مناطق السلطة المصنفة (أ) مقابل التخلي عن تنفيذ قرارات المجلس المركزي لم تحصد أي نتائج، حيث انتهت بحسم نتنياهو الأمر بقوله إن حرية عمل الجيش في جميع المناطق أمر مقدس، وهذا يعني أن السلطة الآن في موقف حرج وصعب جدًا، فكيف ستخرج منه هذه المرة، وكيف ستبرّر عدم تطبيق قرارات المجلس المركزي؟
لا بديل عن مغادرة الرهان على المفاوضات وتغيير الرأي العام الإسرائيلي بالحوار والتنازلات والاعتماد على العوامل الداخلية في إسرائيل، والرهان بدلًا من ذلك على استنهاض عوامل القوة لدى الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وتعزيز عوامل الصمود والمقاومة، التي يجب أن تكون وفق مرجعية وطنية واستراتيجية واحدة قادرة على جعل الاحتلال مكلفًا، وعلى الاستفادة من التناقضات داخل إسرائيل، إذ يمكن التحالف مع العناصر المناهضة للاستعمار الاستيطاني العنصري. فإسرائيل لن تتغير من الداخل٬ إنما من خلال الضغط عليها من الخارج.
