غزة-نوى-ماجدة البلبيسي:
أصبحت أبرز ناشطة نسوية متخصصة بتعليم مساق التسامح المجتمعي، في خطوة غير معهودة، لتُعلى من شأن الحب على الحقد والانتقام ، وتقدم نموذجاً للمرأة الفلسطينية التي قبضت على جرحها النازف، مسدية للجميع درسًا في العفو عند المقدرة ومقابلة الإساءة بالإحسان.
"هويدا" الثلاثينية التي قُتل زوجها أمام ناظريها بدمٍ باردٍ خلال أحداث الانقسام مطلع العام 2009، بعد يومين فقط من وضعها لطفلتها، استطاعت أن تحول نزعة الانتقام والثأر إلى منهج في التسامح، متجاوزة مصابها الجلل، لتجعل من هذه المأساة ملحمة تجسد بها الحب الأكبر للوطن والتسامي على جرحٍ غائرٍ لن يُمحَ من ذاكرتها سريعاً.
جريمة القتل التي تعرض لها زوج "هويدا" توصف قانونياً بأنها (إعدام خارج نطاق القانون)، حيث جرى التحقيق معه على خلفية تنظيمية فقط، لكنها حركت الوطن الكامن داخل "هويدا" لتصبح المرأة الوحيدة على مستوى قطاع غزة التي تشارك في كل فعالية ونشاط يهدف إلى اعادة اللحمة الوطنية وتجسيد المصالحة على أرض الواقع، متسامية على مشاعر فقدها لشريك حياتها ومعيل أسرتها.
بدأت "هويدا الدريملي"، التي ما تزال ملامحها تشع بالحيوية والنضارة، تشق طريقها وسط قيودٍ اجتماعية لا تنتهي، تجاوزتها برباطة جأشٍ عالية، لتجد لنفسها مساحة وسط الفضاء الاجتماعي، محدثةً تغييرات جوهرية في نشاطها، وتتخذ من السلم الأهلي عنواناً رئيسياً في كل الأنشطة والفعاليات التي تنفذها.
تسرد "هويدا" بعضاً من تفاصيل جريمة قتل زوجها وتقول "فوجئنا بجيبات عسكرية تحاصر المنزل، ترافقها مجموعة من المثلمين، طلبوا من زوجي أسامة الذهاب معهم، ليأخذوه تحت جنح الظلام إلى المجهول"، وتضيف بنبرة مشبَعة بالمرار وسحنة حزن بدت في ملامحها الحنطية "أحسست أن أسامة لن يعود، ورددت أمام الجميع أن الموت سيكون مصيره، وبرغم تطمينات العائلة وبعض الجهات التي تدخلت وأكدت أنه سيعود حال انتهاء التحقيق معه كأمر روتيني".
تتابع بصوت متهدج "جاءت زوجة شقيق أسامة وهي تبكي بحرقة، سألتها هل مات أسامة؟، أجابت بأنه في مستشفى الشفاء، مصاب برصاصة في الكتف، فهرعت وكل اهل المنزل إلى المستشفى للاطمئنان عليه، حاولنا اقتحام غرفة العمليات وأخذه بسرعة إلى البيت، وبعد انتظارٍ لساعات، والبحث عنه بين أروقة الأقسام، فوجئنا باختفائه ونزلنا إلى الاستقبال للاستفسار، قالوا لنا ابحثوا عنه في ثلاجات الموتى، وأثناء انتظارنا للمصعد كانت صدمتنا الكبرى، شاهدنا أسامة برفقة اثنين معه في المصعد وعليه علامات خنق وآثار ضربة مسدس على جبهته وهو فاقد الوعي".
وتضيف وقد اغرورقت عيناها بالدموع "لم تنته الجريمة عند هذا الحد، ذهبنا إلى ثلاجة الموتى، برفقة ابنى البكر (14 عاماً) وأنا، فتحوا لنا ثلاجة الموتى فلم يتعرف ابني على والده في البداية، ولكن بعد أن حدَق ببصره وأطال النظر عدة مرات تبين أنه أمام جثمان والده".
تقول هويدا "قررت ألا أستكين أو أنهار أمام حالة الحزن, وأن أعيش وأسرتي حياة طبيعية، فمارست مهامي الجديدة كأرملة، لم يتغير نظام حياتي، لم أرتدِ الأسود رغم أنه كان أحب الألوان لدي في الماضي، كنت سنداً قوياً لأسرتي المكونة من خمسة أفراد"، وتضيف مستجمعة شتات ذاكرتها "بعد انتهاء العدة الشرعية، طلب والد زوجي توكيلاً مني، استهجنت طلبه، وأيقنت أن التوكيل مطلوب لهدف مادي محض، رفضت ذلك بشدة، وأخبرته أنني لن أترك أبنائي ولن أتزوج، كي يطمئن إلى أنني لا أحمل أجندة لمستقبل قريب".
"توجب علىَ تغيير حالتي الاجتماعية في بطاقتي الشخصية تحت مسمى أرملة"، توضح "هويدا"، وهو أمر يقتضي منها احضار أوراقاً رسمية، فذهبت لمشفى الشفاء وطلبت الأوراق التي تتضمن تقريراً بالحالة، فرفض الموظفون ذلك، وبعد جدال وحوار طال عدة أيام متتالية، حصلت هويدا على شهادة الوفاة وتقرير حالة الدخول للمشفى دون تحديد سبب الوفاة.
"واقع جديد فرض عليّ، استطعت تجاوز الأزمة، وأصبحت أكثر قوة من ذي قبل، أكملت دراستي الجامعية، وتجاوزت القيود المجتمعية التي حاولت أسرتي فرضها علي كوني أصبحت أرملة، عانيت في البداية من ضيق العيش، كنت أعتمد على أهلي في توفير قوت أبنائي وتلبية احتياجاتهم الضرورية، ولكن الأمر لم يرُق لي"، تقول هويدا، وتضيف "خرجت إلى المؤسسات، وتعلمت وانخرطت في العديد من الدورات، التي صقلت مهاراتي ومكّنتني، ساعدتني في تنشئة أبنائي على نهج قيم التسامح والمحبة، وتجاوز الماضي، على الرغم من محاولات والد زوجي إفساد ذلك من خلال تحريض أبنائي على الثأر لأبيهم حينما يكبروا، لم تقنعني هذه اللهجة التحريضية، يهمني أن يحيا أطفالي حياة هادئة وآمنة، وألا يجدوا أنفسهم أسرى للثأر والحقد وأن يظلوا في حالة تصالح دائم مع مجتمعهم وبيئتهم الحاضنة".
تقول "أقنعت نفسي وأبنائي بأنني لا أعرف الشخص الذي ارتكب الجريمة، فقد كانوا مجموعة، وأن الله كفيل بالقصاص، وأن فلسطين أكبر من أن تقف عند دماء روح واحدة، ونحن ما زلنا ندفع من أجلها أرواحاً كثيرة".
كانت "هويدا" أول النساء اللاتي شاركن في وقفة انهاء الانقسام، والتي استمرت قرابة العام ونصف العام تقريباً، تعرضت للضرب والتهديد، ولكن هذا لم يُثنها عن المشاركة في كل وقفة، على عكس موقف زميلاتها اللاتي تعرضن للضرب أثناء وقفاتهن من أجل إنهاء الانقسام، وما تزال تجسد بل وتزرع قيم التسامح في كل بقعة، لينتصر السلم المجتمعي على نهج التطرف والتعصب الفكري، على قاعدة أننا عندما نسمو بحب الوطن ونتجاوز الفردية تصبح بيوتنا أشبه بلوحة فنية تتسع لكل الألوان والأطياف، وتبدو شرفاته واحةً للاتفاق والاختلاف، وهي سمة الإنسان، وهذا أهم ما استطاعت "هويدا" نقله إلى أسرتها.
