حكومة التوافق الوطني القادمة، إذا شكلت، والكفاءات
تاريخ النشر : 2016-04-02 08:59

حسب الأخبار الواردة من العاصمة القطرية الدوحة، إن صحت، هناك اتفاق على تشكيل حكومة جديدة للوفاق الوطني، وهذا أمر إيجابي، ومرحب به، ولكن وفي ظل الأمل والتفاؤل بأن يكون تشكيل هذه الحكومة، وإن تم بالفعل وبالشكل الذي يتم الحديث عنه، بأن يكون التطبيق العملي لهذا الاتفاق هو المعيار، وبأن تمارس الحكومة الجديدة مهامها على كافة المناطق الفلسطينية، اي في الضفة وغزة، وكذلك ان تعمل هذه الحكومة وبالأخص في المواضيع التي تمس الحياة اليومية للناس بشكل مهني علمي. ولكي تقوم بذلك، من المفترض ان تشمل الكفاءات المهنية المتخصصة والتي على دراية بما يتم على الأرض، هذه الكفاءات، حتى لو كانت مستقلة، اي لا تنتمي رسميا او بشكل آخر الى اي فصيل او جهة، الا انها من لب المجتمع الواسع، وربما تعاطفت مع هذا الفصيل او مع ذاك، وربما كانت مستقلة تماما، ولكنها جزء من النسيج الوطني الكبير، اي هي جزء من الوفاق أو التوافق أو من الشمول الوطني العام. والحكومة الجديدة من المفترض ان تستفيد من خبرة الحكومة الحالية، سواء على الصعيد الإيجابي او من خلال التحديات والعثرات التي واجهتها خلال فترة عملها، وان تعمل على أخذ الأولويات بعين الاعتبار، بالأخص في ظل وضع اقتصادي جامد أو متجمد، وفي ظل معدلات بطالة مرتفعة وترتفع باستمرار، وفي ظل غلاء الأسعار وازدياد نسبة الفقر، وفي ظل حالة من القلق ومن عدم الوضوح التي تعصف بالوضع الفلسطيني العام. ففي ظل الواقع الحالي، ما يهم المواطن والناس، هو القدرة على توفير الخدمات الأساسية من صحة ومن تعليم ومن أمان ومن استقرار وسلامة، وفي أوضاعنا الخاصة، العمل على تثبيت وجود المواطن في الأرض، والعمل على تحقيق الحياة الكريمة والاحترام له، من خلال توفير الإمكانيات وتسخير المصادر الحالية، لإيجاد فرص عمل وتشغيل وإنتاج وتصدير، والعمل على تحقيق نوع من الأمن الغذائي ومن الأمن الدوائي. وبغض النظر عن تفاصيل او ملاحق الاتفاق او التفاهم الذي من الممكن ان تتوصل إليه الأطراف الفلسطينية، هذا اذا تم ذلك، وبغض النظر عن الترتيبات الجديدة التي من الممكن أن تنتج عن ذلك، وسواء أدى ذلك الى تغيير او تعديل جذري او شكلي في في طبيعة الحكومة، الا أن ما يهم المواطن العادي، هو مدى ما سوف يؤدي ذلك الى تغيير في حياته اليومية، وبالشكل الإيجابي، وبالأخص في حقائب او مجالات مهمة، تتداخل في حياته المعيشية اليومية. فهناك مثلا الصناعات الفلسطينية، ومنها الصناعات الغذائية كمثال على القطاع الإنتاجي، والتي تشكل حوالي 25% من الإنتاج الصناعي الفلسطيني، وتنتج حوالي 200 نوع مختلف من المنتجات الغذائية، وتقوم بالتصدير الى الخارج ب، وبالتالي تساهم في الناتج القومي الإجمالي وفي التشغيل وفي الحد من البطالة، وهي بحاجة الى زيادة التسويق الى الخارج، ولكي تتطور وتتوسع، فإنها بحاجة الى الدعم وتوفير البنية التحتية والأيدي العاملة المدربة والإدارة الجيدة، وكذلك بحاجة الى الإثبات لمن يستورد المنتج الغذائي، انه منتج آمن وسليم، وهذا يحتاج الى المزيد من الإرشاد حول استخدام المواد الكيميائية، والى الاستثمار في مختبرات لفحص بقايا هذه المواد الكيميائية، سواء في المنتج الزراعي الطازج او في المنتج الغذائي المصنع؟ وهناك القطاع الصحي، ورغم التقدم والتطور وفي اتجاهات عديدة، ورغم الاستثمار وتسليط الأضواء وتحقيق الإنجازات في عدة قطاعات، الا أن هذا القطاع ما زال يحتاج الى ترسيخ ثقة المواطن والناس فيه، وفي الرعايات الصحية المختلفة التي يوفرها، سواء أكانت الرعاية الصحية الأولية والفحوص والمختبرات والتعامل، او في المستشفيات، وهناك الحاجة الى بناء قاعدة صحية قوية، من حيث الكفاءات البشرية المدربة والمتخصصة والتي تبقى تعمل ولا تغادر، اي الى توفير الحوافز بعيدة المدى، والى تقوية البنية التحتية من أجهزة وابنية وأدوية وصحة عامة تعتمد على الوقاية وعلى التطعيم وعلى مقاومة انتشار الأمراض المزمنة، اي غير السارية او الأمراض السارية، وليكن الهدف هو ترسيخ احترام وثقة وإقبال المواطن للقطاع الصحي. وهناك الأولوية للتعامل ومن منظار شامل مع الأوضاع البيئية الفلسطينية، في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالبيئة وبالتغيرات المناخية وبالاقتصاد البيئي وبالطاقة النظيفة، وفي ظل تواصل تداعيات الكارثة البيئية التي أحدثها العدوان الأخير على قطاع غزة، في تلك البقعة الجغرافية الضيقة، والممتلئة بالبشر، وفي ظل الحاجة الى التعامل مع توفر وجودة وتلوث المياه وبالأخص المياه الجوفية، وتلوث التربة، او تلوث مياه البحر، او الحيز الجغرافي من حيث انتشار النفايات الصلبة والمياه العادمة، وبالتالي إمكانية تلوث الهواء، وكذلك للتعامل مع ضعف او مع غياب القوانين البيئية الملزمة وضعف التوعية البيئية الكفيلة لإيلاء البيئة في غزة والضفة الاهتمام الكافي، وهناك كذلك الحاجة للتعامل مع التدهور البيئي المتواصل الذي ينتج عن الاستيطان وتبعاته في الضفة. ومع الانتهاء من إضراب المعلمين الذي استمر حوالي شهر، وبقاء الأوضاع هشة نوعاً ما، فالمطلوب الاستفادة وأخذ العبر والدروس من الإضراب، وإيلاء المعلمين الأولوية في ظل الحديث عن اي تغيير او تطوير او تحديث في العملية التعليمية والتربوية في بلادنا، حيث هناك الحاجة الى احداث التغيير النوعي، سواء من حيث امتحان الثانوية العامة، اي التوجيهي، او من خلال وضع خطط بعيدة المدى للتعامل مع الأعداد الهائلة من الخريجين، التي يتم زجها سنويا الى سوق العمل وبقاؤها بدون عمل، حيث ما زال النمط التقليدي، او المسار الذي اعتدنا عليه، سواء من حيث التخصصات وتكرارها او من حيث المعايير او من حيث توفير المصادر والإمكانيات للبحث العلمي، او من حيث ربط التعليم العالي مع احتياجات المجتمع، او على الأقل مع تطلعات القطاع الخاص في بلادنا، ما زال هذا النمط هو السائد، وما زالت النظرة الى التعليم العالي على انه فقط لقضاء اربع سنوات او اقل او اكثر، ومن ثم الحصول على شهادة، ومن ثم على لقب، وبالتالي على وظيفة اذا امكن؟ وبالتالي، فهناك الحاجة الى النظر الى التعليم المهني بشكل استراتيجي عندنا، والذي هو ربما اهم من التعليم الجامعي في بلادنا، والذي تستثمر فيه الدول المتقدمة الجزء الأكبر من الميزانية ومن الخطط الاستراتيجية، والذي يقبل عليه الكثير في هذه الدول، حيث ورغم الاهتمام المتزايد في التعليم المهني عندنا، الا ان القليل قد تم على الصعيد العملي، من اجل تشجيع الإقبال على هذا التعليم او خلق الفرص والإمكانيات من اجل توجه الطلبة نحوه، ومن ثم ربطه وبشكل استراتيجي، سواء من حيث الكم او النوع مع احتياجات المجتمع. وهناك الأولوية، وفي إطار الإمكانيات، لمعالجة قضايا مثل البطالة، وهناك الحاجة الى التطبيق العملي والمتابعة لسياسة الحد الأدنى للأجور للعمال، وقضايا يومية أُخرى تتعلق بسلامة الطعام والدواء وحماية المستهلك وشح المياه والازدحام على الطرق، وتراكم النفايات وما الى ذلك من أمور يلمسها او يشاهدها المواطن ويأمل ان يتم تغييرها او التعامل معها، وهذا ما يأمله او يتوقعه المواطنون، من خلال تفعيل عمل حكومة الوفاق الوطني على الأرض بشكلها القادم ومن خلال كفاءات وخبرات مهنية. ومع انتظار التطبيق العملي لما يتم الحديث عنه هذه الايام في قطر، فإن هذا التطبيق او التغيير للوضع الحالي، من المفترض ان يؤدي الى تحقيق نوع من التناغم او من الانسجام، او من فلسفة عمل الفريق الواحد في الحكومة القادمة، من حيث التركيز على النتائج والإنجازات على الأرض، ومن حيث زيادة او تفعيل التواصل مع الناس وتفهم قضاياهم ومشاكلهم، وبأن تكون قنوات التواصل مع المواطن ومع الإعلام واضحة وصريحة، وتعكس الحقائق بدون مبالغة او بدون وعود كبيرة، وبأن تستند خطة العمل على تحقيق أهداف واقعية ومرتبطة بفترة زمنية محددة، وبأن يتم قياس ما يتم تحقيقه على الأرض، من خلال مؤشرات تركز على النتائج وليس على الأقوال والبيانات، وبأن يتم تبني الأسس العلمية لعملية المتابعة والتقييم والمساءلة والتعلم، من اجل قياس تحقيق أهداف الحكومة القادمة في كافة الأراضي الفلسطينية!