استوقفتني عبارة إلياس خوري في مقدمته «أولاد الغيتو: اسمي آدم» ودفعتني للتفكير بها ملياً، وذكرتني بقصص وروايات وحكايات: «قلت لصديقي حاييم، إن هذا الرجل كاذب، يدّعي أنه إسرائيلي مع عشيقاته، مع أنه فلسطيني، وهوُيّته الفلسطينية هذه كانت حجّته الكبرى ضد روايتي، كأنه لا يحق لي أن أكتب عن فلسطين لمجرد أنني لست من أبوين فلسطينيين». (ص14، ص15). حاييم أعادني إلى رواية إلياس «مملكة الغرباء» فهو حاضر هناك، و»روايتي» تعيد، بوعي، إلى «باب الشمس» و»كأنه لا يحق لي أن أكتب عن فلسطين لمجرد أنني لست من أبوين فلسطينيين» تعيد إلى ثلاثة عناوين أناقشها مع الطلاب، بداية كل فصل دراسي أدرس فيه مساق الأدب الفلسطيني: الأدب الفلسطيني الحديث، وفلسطين في الأدب العربي، والأدب العربي في فلسطين. وتندرج كتابات إلياس تحت العنوان «فلسطين في الأدب العربي» لا تحت العنوانين الآخرين. ولست أدري إن كان هناك من يحظر على أديب عربي أن يكتب عن فلسطين. مرة أتيت على رواية حسن حميد «مدينة الله» وتساءلت: كيف يكتب أديب عن مكان لا يعرفه عن قرب؟ وقامت قيامة حسن حميد، وهو فلسطيني، ووقف إلى جانبه عدنان كنفاني الذي كتب أيضاً رواية أو أكثر عن فلسطين المحتلة دون أن يقيم فيها. كانت وجهة نظري هي أن يكتب الكاتب عن مكان مألوف ومعروف، وربما لهذا لم أثر السؤال وأنا أكتب عن رواية «باب الشمس»، فأكثر أحداثها تجري في لبنان، لا فلسطين، وهو له علاقة بالفلسطينيين هناك وعمل في مؤسساتهم، بل إنه انتمى لحركة فتح في بداية حياته. هل تختلف «أولاد الغيتو: اسمي آدم» عن «مدينة الله» في أنها تكتب عن اللد التي لم يرها إلياس؟ ربما أجد نفسي هنا بعض آدم، وربما أثير سؤاله ولكن بصيغة أخرى: كيف يكتب إلياس عن مكان لم يزره أو يقيم فيه؟ إن أحداث رواية «أولاد الغيتو» تجري في أماكن عديدة، بل وفي أزمنة مختلفة منها ما يعود إلى العصر الأموي. ومن الأمكنة مدينة نيويورك التي يقيم فيها الكاتب بين فترة وفترة منذ عقود. هنا تتشابه مع رواية علي بدر «مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد». إن (علي) لم ير القدس ولم يقم فيها، وكتب عنها اتكاءً على روايات إسرائيلية وعلى خريطة (غوغل)، وهي تجري أحداثها أيضاً في غير مكان. وهناك كتّاب عديدون كتبوا عن أماكن لم يعيشوا فيها، وهذا ما يثير حقا استغرابي ودهشتي ويذكرني بنجيب محفوظ والطاهر وطار. لم يكتب محفوظ روايات تجري أحداثها بعيداً عن القاهرة. هناك رواية واحدة جرت أحداثها في الإسكندرية هي رواية «ميرامار»، ولما كتب وطار «الزلزال» التي تجري أحداثها في قسنطينة، فقد زار المدينة وتعرّف إليها ورسم صورة لها. حتى اللحظة لم أقرأ رواية رضوى عاشور «الطنطورية» ولم ترق لي «ثلاثية غرناطة». اشتريت «الطنطورية» وترددت في قراءتها لأن كاتبتها لم تعرف المكان إلاّ من الحكايات والكتب، شأنها شأن حسن حميد، وأحسست وأنا أقرأ «مصابيح أورشليم» أنني أقرأ روايات عبرية، لأن (علي) بدر أعاد وصف المكان اتكاءً على الروايات العبرية. كأن كلام آدم بطل رواية إلياس كلامي، في جانب منه، فيم يخص الكتابة عن اللد، ولكنه لم يكن سؤالي أبداً وأنا أقرأ «باب الشمس». ولسوف أفكّر في عبارة إلياس «إن هذا الرجل كاذب، يدّعي أنه إسرائيلي مع عشيقاته، مع أنه فلسطيني» جيداً، ولسوف تعيدني إلى سنوات عشتها في ألمانيا وعرفت فيها بعض فلسطينيي الداخل. إن ملاحظة إلياس هذه ملاحظة دقيقة لا يلم بها إلاّ من خبر بعض هؤلاء وسلوكهم، فلكي ينجحوا، في غرب متعاطف مع إسرائيل، في إقامة علاقة مع فتاة، يدعون أنهم إسرائيليون. وأما مطعم آدم، فقد ذكرني بمطعم (أوبرجينيا: الباذنجان) في المدينة التي درست فيها (بامبرغ)، وكان أصحابها عرباً ويهوداً. كأنني بعض آدم، ولكنني أيضاً كأنني بعض إلياس.
إلياس خـوري : وبطلـه آدم و .. أنـا
تاريخ النشر : 2016-03-27 05:33
