انتحار الفكر السياسي وأفول الحالة الحزبية التقليدية 2/2
تاريخ النشر : 2016-03-23 00:42

تحث الموجة الانتفاضية الفلسطينية على نقل الجدل حول واقع ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طور جديد؛ ربما يتجاوز توصيف "الأزمة" في الفكر السياسي، وهو طور قابل للمراجعة والإصلاح، إلى طور "المأزق" المرتبط بوصول محاولات الإصلاح إلى طريق مسدودة.

فمع انتقال هذا الفكر الذي يؤطر بنية الحالة الحزبية وممارستها ومشروعها/مشاريعها السياسية إلى طور "المأزق"، لم يعد ممكنا الحديث عن إصلاحه أو ترميمه، إذ لا مناص من الاعتراف استهلالا بانتحار الفكر السياسي الفلسطيني "التقليدي"، وتجلياته في الحالة الحزبية، عبر عملية بطيئة استغرقت أربعة عقود في سياق مسار التكيف في الممارسة السياسية والحزبية مع متطلبات مرحلة "أوسلو"، وصولا إلى أفول الدور التاريخي للحالة الحزبية الراهنة، رغم اعتياشها على استمرارية دورها السياسي بالاستناد إلى مصادر "شرعية" ليس من بينها الإرادة الشعبية.

أشكال العمل الجديدة

كان لكل ذلك تأثيره على تعميق الفجوة بين المنظمة والسلطة والفصائل التي تكيفت مع منطق الهيمنة من جهة، والجمهور الفلسطيني من جهة أخرى. وهي فجوة تطال عدم الثقة بالمؤسسات والقيادة وخياراتها السياسية، وتزايد عزوف الشباب عن العمل السياسي ضمن التشكيلات الحزبية القائمة. وهو ما تظهره نتائج عدد من استطلاعات الرأي العام الفلسطيني، من بينها استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية قبل اندلاع الموجة الانتفاضية، وأعلن نتائجه يوم 6/10/2015، حيث بيّن أن نسبة 65% من المستطلعين يريدون من الرئيس الاستقالة، و51% يعارضون "حل الدولتين"، و63% يؤيدون اللجوء لمقاومة شعبية غير مسلحة، و51% يؤيدون حل السلطة الفلسطينية، و57% يؤيدون العودة لانتفاضة مسلحة .

وحسب نتائج استطلاع آخر أجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد" مطلع الأسبوع الرابع للموجة الانتفاضية، فإن 56% متفائلون بهذه الهبة (%60 في الضفة، و%49 في القطاع)، و63% يؤيدون اندلاع انتفاضة شاملة ثالثة. ورغم أن %62 يرون بأن المجتمع الفلسطيني جاهز للدخول في انتفاضة ثالثة، إلا أنه فيما يتعلق بالدوافع للمشاركة في مظاهرات ضد الاحتلال، قال 68% أنهم لن يشاركوا في المظاهرات إذا دعت لها حركة حماس، و%64 لن يشاركوا في المظاهرات إذا دعت لها حركة فتح .

وبالقدر الذي يقدم فيه ما سبق مؤشرات على تطور الوعي الشعبي خارج نطاق منظومة عمل الحقل السياسي التقليدي والخيارات السياسية "الرسمية"، فإنه يؤكد على حيوية القضية الفلسطينية واستمرار صمود الشعب الفلسطيني، كما يتبين من تحليل السياق الذي تندرج فيه الموجة الانتفاضية الحالية بصفتها امتدادا لمسار جديد بدأ، بشكل خاص، مع أفول دور الحركة الوطنية التقليدية منذ توقيع اتفاق أوسلو وإنشاء سلطة الحكم الذاتي. وقد لعب الشباب من خلال المبادرات المجتمعية والتطوعية السياسية دورا بارزا في شق هذا المسار الجديد، الذي يحمل معه مؤشرات على كسر احتكار السياسة من قبل السلطة والفصائل في آن واحد.

وقد أظهر استطلاع لرأي الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة، أجراه معهد "أوراد" في تموز 2013، مؤشرات على عزوف الشباب عن المشاركة السياسية "الحزبية"، وانخراطهم في فعاليات ومبادرات خارج النسق السياسي التقليدي، حيث أن 75% من الشباب على استعداد للمشاركة في تظاهرات ضد الاحتلال، ورغم أن 46% صرحوا بأنهم نشيطون مجتمعيا، و43% نشيطون تطوعيا، و19% نشيطون سياسيا، إلا أن الاستطلاع أظهر تراجعا كبيرا في نشاط الشباب في الأحزاب السياسية بحيث تدنت النسبة إلى 20% فقط .

يعني ذلك أنه بالتزامن مع تزايد العزوف عن المشاركة في النشاط السياسي ضمن الحالة الحزبية القائمة، خلال فترة ما بعد اتفاق أوسلو، تبلورت أشكال للتعبير السياسي والثقافي والفني في نطاق فلسطين التاريخية والشتات تؤسس لمرحلة جديدة تعتمد على تحدي العلاقات الاستعمارية والخروج عليها والكفاح من أجل تفكيك المنظومة التي تحكمها. فقد شهدت التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، لا سيما منذ توقيع "اتفاق أوسلو" وإنشاء السلطة، مرورًا بالمتغيرات العربية في العام 2011، سلسلة من الفعاليات والمبادرات المتتالية عكست بداية تطور أشكال جديدة من التعبير عن الهوية والرأي والعمل السياسي والكفاحي، خارج نطاق منظومة عمل منظمة التحرير والسلطة والفصائل السياسية، التي تآكلت شرعيتها المستمدة من الإرادة الشعبية، وبخاصة مع انقسام السلطة إلى سلطتين في قطاع غزة وبقايا الضفة الغربية.

وتصدر جيل الشباب العديد من هذه الفعاليات والمبادرات عبر تعبيرات سياسية وكفاحية واجتماعية وثقافية عديدة، انطلاقًا من برامج عمل تركز على قضايا محددة، ومنها نماذج حركة المقاطعة، حركة حق العودة، الحراكات الشبابية، لجان مقاومة الاستيطان والجدار، مبادرات لنصرة الأسرى، وأخرى لرفع الحصار عن قطاع غزة. كما برزت أشكال تشاركية من الفعل الشعبي المقاوم للمخططات الإسرائيلية متماثلة الأهداف على جانبي ما يسمى "الخط الأخضر"، لاسيما الاستيطان والمصادرة والتطهير العرقي (مثل التصدي للتهجير القسري عبر مخطط "برافر" في النقب، وعمليات الهدم والتهجير في سوسيا ومناطق أخرى جنوب الضفة)، وذلك بالتنسيق بين مجموعات ولجان شبابية في عدد من التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات.

هذا هو الفضاء الجديد الذي يتم فيه إرساء مقدمات عملية إعادة بناء الحقل السياسي الوطني، من خلال برامج عمل تنطلق مما يجمع قطاعات ذات حقوق ومصالح مشتركة. وفي حين يرى البعض أن النزوع باتجاه التركيز على برامج العمل التشاركية في غياب المركز القيادي الموحد، من شأنه أن يعمق تهشم المشهد الفلسطيني، وأن الأولوية تبقى لإعادة بناء وإحياء المؤسسات الفلسطينية، وبخاصة التمثيلية منها، يرى آخرون أن تطوير منظومات جديدة للعمل السياسي وفق برامج عمل تشاركية تتناول قضية وطنية عامة يجمع عليها الفلسطينيون، أو قضايا تخص هذا التجمع الفلسطيني أو ذاك، قد تكون هي المدخل لإعادة بناء المؤسسات والحركة الوطنية عموما.

ومع الإقرار بالحاجة لمزيد من النقاش حول أولوية نقطة البداية في كل من هاتين المقاربتين، أو ربما الجمع بينهما، لم يعد مجديا تجاهل أن السنوات الماضية شهدت تطور مسار جديد لا يؤمن بإعادة بناء الحركة الوطنية كمدخل لبناء وتطوير برامج العمل، بل يرى أن استقطاب أوسع الفئات من الفاعلين ضمن منظومات من برامج العمل التشاركية تحت مظلة الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني، واستعادة الوعي بالشرط الاستعماري ووعي الذات ومكامن قوتها على المستوى الشعبي، هو المدخل لإعادة بناء التمثيل والحركة الوطنية.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الفعل الشعبي المقاوم حاليا باعتباره مرحلة جديدة في وعي الذات وقدرتها على التغيير، عن طريق أشكال جديدة من الكفاح التي يوجهها برنامج عمل تشاركي يستقطب دون تخطيط مسبق فئات ذات مصلحة في السعي لالتقاط زمام المبادرة في إعادة صياغة علاقة الشعب مع الاحتلال، ضمن إطار الصراع التحرري.

إن مثل هذا الوعي بالذات وقدرتها على التغيير عبر التمرد على منظومة السيطرة الاستعمارية يعكس أيضا واقعا جديدا يتسم بكسر احتكار السياسة من خلال أشكال وبرامج عمل جديدة تقطع مع الأشكال التقليدية في العمل الرسمي والفصائلي في نطاق المعازل التي تديرها السلطة تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية .  

لا بد من القول إن الجديد يولد من رحم القديم، وهو ما يمكن ملاحظته من مشاركة الكثيرين من أعضاء الفصائل السياسية في الفعل المباشر ضمن فعاليات الموجة الانتفاضية، وبضمنها عمليات الطعن والدهس، ولكن دون انصياع لقرار حزبي، وكأن الموجة الانتفاضية بحد ذاتها باتت تشكل برنامج عمل تشاركيا خارج نطاق منظومات العمل الحزبي التقليدي. أي أنه برنامج يتطور في فضاء جديد بات يستقطب جزءا من مكونات الحقل السياسي التقليدي، مع ما يحمله من خبرات تنظيمية وكفاحية. 

ويشير ذلك إلى أن الحالة الحزبية ذاتها تمر بمرحلة انتقالية يصعب فيها القفز إلى الاستنتاج بأن كسر احتكار السياسة يعني انتهاء الدور السياسي للفصائل، رغم أفول دورها التاريخي من حيث قدرتها على قيادة الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الوطنية الاستراتيجية. إذ انها لا تزال الإطار المنظم لممارسة السياسة، ولديها جمهورها وتتصدر أشكال المقاومة المسلحة، وبخاصة في قطاع غزة، ولها تأثيرها المهيمن على المنظمة والسلطة والاتحادات والنقابات، وبخاصة الحركة الطلابية.

لا يزال المظهر الأبرز هو استمرار حالة التداخل أو التعايش بين أنماط العمل القديمة والجديدة، ما يتيح الفرصة أمام الحالة الحزبية للمراجعة واستخلاص الدروس باتجاه تجديد فكرها ودمقرطة بنيتها التنظيمية، وإعادة الاعتبار للسياسة عبر شكل ممارستها المنظم والجماهيري من خلال العمل التنظيمي. وهي عملية تتطلب تغييرا في الأهداف وأساليب العمل والقواعد التي تحكم السياسة ذاتها، أي إعادة بناء الفكر السياسي واستراتيجيته والحامل الوطني لأهدافه وبرامج وأشكال عمله، للالتقاء عند نقطة ما مع أشكال العمل السياسي والكفاحي الآخذة في التبلور والاتساع خارج المنظومات التقليدية للعمل المؤسساتي والحزبي، باتجاه إعادة تشييد الحقل السياسي الوطني ومشروعه التحرري على قاعدة إعادة صياغة العلاقة مع النظام الاستعماري.

إن اتساع أشكال العمل القائمة على الفعل المباشر في مواجهة النظام الاستعماري، تحمل معها إرهاصات باتجاه إعادة تشييد حقل سياسي وطني له فكره ومشروعه التحرري وأدواته انطلاقا من التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني الجمعية، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير. ويجدر أن تكون الحالة الحزبية بخبراتها وأشكال عملها المنظمة وجمهورها جزءا من هذه العملية الجديدة التي لا يمكن لها أن تنجح إلا بإعادة بناء الفكر السياسي الفلسطيني، بما هو فكر حركة تحرر وطني.
*مدير البحوث والسياسات

المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)

ورقة مقدمة إلى ندوة "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدوحة، 14-15/11/2015
ملاحظة : المادة مختصرة عن الدراسة الاصلية