الخروج من توازنات القوى
تاريخ النشر : 2016-03-20 15:40

ما يجري في المنطقة نتيجة لتغيرات موازين القوى بين الأطراف الإقليمية والدولية، وليس بفعل ما يسمى بالثورات العربية أو الربيع العربي. الثورات العربية عرض لما يجري، وليست أساسا له. وما يجري الآن تأسس له منذ أكثر من ثلاثة عقود:

أولا: خروج مصر التدريجي من موقع القوة الإقليمية وتحولها إلى تابع. وقد بدأ الأمر باتفاقات كامب ديفيد، التي كانت تعني التخلي عن سوريا ورميها للذئاب. فمصر لا يمكن أن تكون قوة إقليمية من دون سوريا. عليه، فلحم سوريا كان عرضة للتمزيق منذ زيارة السادات لإسرائيل، وخطابه في الكنيست. وما يجري فيها الآن هو نتيجة تلك اللحظة التاريخية عام 1978. وبعد أن خرجت مصر من موقع القوة الإقليمية، تحولت عبر السادات ثم مبارك إلى (قوة) تشترى بالمال مقابل تنفيذ مهمات محددة. مشاركتها في تحالف حفر الباطن عام 1991 كانت مثالا على ذلك. لم يكن لمصر مصلحة في تدمير العراق. كان لنظامها مصلحة في الحصول على دولارات حفر الباطن.

ثانيا: تدمير العراق الثاني عام 2003. وهو قرار اتخذته السعودية ودول الخليج في الواقع. من دون هذا القرار ما كان الغزو ليحدث. وقد تبين لاحقا، وبكل وضوح، أن تدمير الخليج للعراق كان نوعا من إطلاق النار على الذات. وسوف يحسب يوم تدمير العراق تاريخيا كيوم لدمار الخليج ذاته، وانتصار إيران النهائي عليه. فقد أخرج من الوجود الطرف العربي الوحيد الذي يستطيع عمل توازن مع إيران.

ثالثا: تبع ذلك تدمير سوريا، وبقرار من دول الخليج أيضا. وهنا أيضا سيكتب التاريخ أن الخليج قد أطلق النار على قدميه. فسوريا هي القوة التي تستطيع أن تحدث توازنا ما مع تركيا الصاعدة. وقد أخرجت هذه القوة من المعادلة.

رابعا: وهكذا أخرجت الأطراف العربية الثلاثة (العراق، سوريا، مصر) من صراع القوة والتوازن. وهذا ما أدى إلى أن السعودية ذاتها صارت عمليا خارج الحسابات. ومحاولات بن سلمان لإعادتها إلى لعب دور قوة إقليمية جدية محاولات متأخرة. فوجود توازن عربي ما (نظام عربي ما) هو الذي مكن السعودية من أن تكون قوة إقليمية. وقد أقدمت بيديها العاريتين على تدمير هذا التوازن.

خامسا: ثم زرع النفط الصخري الأميركي المسمار الأخير في نعش السعودية. وزاد الطين بلة اكتشافات الغاز المتتالية في البحر المتوسط. كل هذا جعل من السعودية قوة غاربة. نحن الآن نشهد غروب المملكة السعودية التي سيجري دفنها خلال عشر سنوات على أبعد تقدير، لكن بعد أن تمكنت من دفن العراق وسوريا ومصر.

هذه هي الحقائق المركزية في المنطقة. وهي قد أدت إلى اندثار المشرق العربي، وجعل مصيره بين يدي إيران وتركيا إقليميا، وبين مراكز عدة دوليا. ومن الصعب توقع أن يجري تغير جوهري في الاتجاه خلال العقدين القادمين. فالسعودية تغرب، ومصر تتصدع. وهي إذا نجت من التفتت لن تكون أكثر من دولة بلا تأثير إقليمي جدي.

مصير العرب حسم لعقود مقبلة. أما الثورات فمجرد نقل وبقل في أطباق المتحكمين الإقليميين والدوليين بالمنطقة.