غزة- خاص نوى:
يقف أحمد أبو عبدو، 25 عامًا على ماكينة يقوم بضبط غطاء بكرج، انتهى من صناعته، للتو والده "أبو خالد"، ثم بعد فراغه منها يسلمه إياها، يقول أحمد" الذي كان يرفض كغيره من الشباب أن يستمر في مهنة والده، لكنه اليوم مجبرًا، بعد أن فشلت تجارته أخيرًا، وأغلق المحل التجاري الذي فتحه له والده على مدار 8 سنوات لبيع الأراجيل في غزة".
يضيف أحمد" والدي أصبحت صحته لا تساعده كثيرًا وحال اقتصاد غزة سيء جدًا، لابد أن استمر في مهنته، فهي مصدر رزقنا الوحيد، منها تزوج أخي وبنى له والدي بيتًا، كما أنها أفضل من شكوى الحال في غزة والبقاء دون عمل في البيت".
ويتفاءل أحمد من أن المهنة ستبقى، لأن الأدوات الصناعية التي كان يتم جلبها من الأنفاق لم تعد تدخل إلى غزة، وبالتالي سيزداد الطلب على صناعة والده، الذي يحتفظ لليوم بزبائن من أكثر من 20 عامًا. إلا أن أكثر ما يخشاه استمرار الإغلاق ومنع دخول المواد التي تحتاجها صناعته".
في عمر 14 عامًا تعلم والد أحمد "أبو خالد" مهنة والده وجده، وورثها وأخيه، الذي شق طريقًا أخر، بينما بقي أبو خالد محتفظًا بمهنته للعمر، محاولًا أن يعلمها لأحد أبنائه، ولأن جميعهم ابتعدوا عنها، إلا أن احمد الذي لم يجد طريقه في التعليم، عاد بعد أن فشلت تجارته إلى مهنة والده.
في ورشته القديمة في "شارع الفواخير" وسط مدينة غزة، يمسك أبو خالد بشاكوشه يكمل صناعة بكرج للقهوة، ليضمها إلى 5 آخريات، سيسلّمها لزبون قديم.
هنا كل شيء على حاله، عتمة، وأواني قديمة، فحم محترق حتى الجدران، تراب في كل مكان، رائحة القدم تضرب في شكل المحل المنخفض قليلًا عن الأرض، كذلك الآلات المستخدمة أو الأدوات التي يتم صناعتها، بصوت مرهق من التعب يقول أبو خالد" للتو أفرغت من صناعة 6 بكارج بأحجام مختلفة، لزبون من زمن والدي وجدي الذين توفيّا قبل عقدين من الزمان، يواصل:" هو زبون من مدينة بئر السبع، كنا نعمل لهم هذه البكارج، ثم انقطعنا بسبب إغلاق المعابر، هذه فرصة جيدة لعملنا الذي آخذ في الانقراض".
يصنع أبو خالد بيديه، بكاريج، ومصبات للقهوة، والشاي وأهلة لقباب المآذن، من النحاس الخالص، وهو الصانع الأخير لهذه المهنة في قطاع غزة.
يقول في بدايات عملنا، كان كل قطاع غزة، يعتمد على الصناعات اليدوية، كنا نصنع الأواني النحاسية، والطبلات، وكل ما يلزم البيت، أما اليوم اقتصرت الصناعة على البكاريج، وقباب المآذن، لفئة محددة غالبًا القرويين أو البدو الذين يستخدمونها لليوم".
وعن ما يميز صنعته، أنها متقنة الصنع، وتستخدم من النحاس الخالص، وبأدوات يدوية، دون أي إضافاتـ، وتختلف عن الحديثة التي يكون وزنها خفيفًا، يشير إلى بكرج بيده ويقول" هذا يمكن أن يعمّر 50 عامًا دون أن يهتريء.
كحال الصناعات التي تنفرد بها غزة وحدها، فإن أبو خالد يعاني من إغلاق المعابر والحصار، إذ أن مستلزمات مهنته، شُحّت من الأسواق، ويذكر منها الفحم الحجري وبرادة الحديد للحام و.. " إسرائيل منعت دخول هذه المواد إلى قطاع غزة، اضطر إلى البحث عنها لدى التجار القدماء في المهن المتشابهة، " فرغت مخازني الصغير من الفحم الحجري، الذي كنت استخدمه على مدار أكثر من 5 سنوات، تضايقت كثيرا حيث اعتمد عليه كثيرا في عملية اللحام، غير أني وجدت نحو 500 كيلو جرام في مخزن تاجر مغمور، ردت لي روحي، واشتريتها جميعها"، مشيرًا لأنه يحصل على كافة ما يحتاجه بهذه الطريقة، ستكفيني لعدة سنوات قادمة" يبتسم أبو خالد.
ليس هذا فحسب، فأبو خالد بسبب إغلاق المعابر فَقَدَ زبائن له من الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، " كنت اصنع قدر الفول، لأصحاب محلات الفول في الضفة الغربية، بعد انتفاضة ال 2000 لم نستطع التواصل معهم".
يكمل أبو خالد غالبية قباب مآذن مساجد غزة قمت بصناعتها، مشيرًا أن المآذن الواحدة تأخذ صناعتها من (3-10) أيام بحسب ارتفاعها، الذي يتراوح بين 20-أكثر من 50 مترًا، كما أن تكلفتها من (380 $ - 1000$).
يبدي أبو خالد سعادته من أن مهنته، تراثية، قديمة، ولا يزال متمسكًا بها حتى اليوم، لأنها تعني له كل حياته، الرزق والخير والسعادة، والوقت الذي يقضيه في ورشته من الثامنة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا. " مهنة سترتني وأسرتي، شو راح أغير فيها، بنت بينا علاقة حب قوية، على مدار السنين" يجيب أبو خالد عندما سألته عن رضاه عن مهنته، بينما يرى فيها احمد مستقبله بسبب محدودية فرص العمل في غزة التي ترتفع فيها نسبة البطالة بين الشباب الى أكثر من 35%.
