المسرح في غزة.. متنفّس من الاحتلال لكن العوائق كثيرة
تاريخ النشر : 2016-03-15 23:34
من مسرحية محاكمة دلال المغربي

كتبت - نسمة الحلبي :

منذ سنوات عمرنا الأولى، نحاول أن نتقمص شخصيات من حولنا، نؤدي دورهم بإتقان، محاولين الوصول لنبرة الصوت ذاتها، حركة الأيدي، شكل الهندام ولونه، وكأنها غريزة فيها من اللذة ما يجعل منا، بنظر أنفسنا على الأقل، بارعين في التّجسيد وكأننا نرغب في أن نحول الحياة من حولنا إلى مسرح يحتضن رغباتنا ويمتد لوسع خيالنا ترتسم على خشبته أحلامنا.

قديماً قالوا «أعطني خبراً ومسرحاً، أعطيك شعباً مثقفاً» وهذا هو واقع يصف الحال في غزة أيضاً، هذه البقعة الصغيرة التي أنجبت من المثقفين الواعين، لكن لا يمكن بأي حال إنكار ما احتاجه الأمر، ولا يزال يحتاجه من وقت طويل للوصول إلى النتيجة المرجوة، وهي صقل الذائقة وفتح الآفاق وصولاً لمجتمع يتغيّر إلى الأفضل، فالأعمال المسرحية في قطاع غزة لم تتوقف ابداً برغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع والفنانون بشكل خاص، إلا أنها أعمال لا تزال قليلة الكم، بسيطة الامكانات، رغم الأفكار الخلاقة التي تتناولها بعض المسرحيات. الجميل أن المسرح مستمرّ، لكن بحاجة الى إنعاش. هذا هو المشهد كما تصفه «للسفير» الفنانة المسرحية الهاوية «وسام ياسين»، وقفت لأول مرة على خشبة المسرح في الكويت حيث ولدت هناك وشاركت مع والدها الممثل المسرحي «محمد ياسين» في إحدى مسرحياته عن فلسطين، تقول: «منذ ذلك الحين عشقت المسرح، شعور جميل ينتابني وأنا على الخشبة متأثرة بشكل كبير بوالدي، رغم أني لم أدرس يوماً الفن المسرحي، وأكملت مشواري في غزة، وشهدَت مسرحية «محاكمة دلال المغربي» أول بطولة مسرحية لي، نُفذت لصالح جامعة الأقصى بمناسبة افتتاح قسم المسرح، وانطلقت بعدها للعمل المسرحي رغم ضعفه إلا أنني شاركت في سبعة أعمال مسرحية منها «مستر بيرفكت» و «البوصلة» وآخرها «خارج الصندوق».

محاولات

مؤخراً شهد الحراك المسرحي في غزة أعمالاً كان من بينها «خارج الصندوق» مسرحية أُنتجت لصالح مركز شؤون المرأة لمعالجة بعض قضايا المرأة، ناقشت عدداً لا بأس به من المشاكل بطريقة عرض اللوحات المسرحية السريعة، ضمت 4 ممثلين ـ من بينهم «ياسين» ـ أعادتها تلك المسرحية لخشبة المسرح بعد انقطاع زاد عن 14 عاماً لتجسد دور زوجة أفنت حياتها في خدمة زوجها الكبير الذي أُجبرت عليه، وكانت مكافأة صبرها وتفانيها أن يتركها للزواج بأخرى صغيرة السن جميلة المظهر برأيه، فتحدث نفسها أمام المرآة لكنها لا تنكسر في النهاية .

«زهايمر»، «إخوة في الميراث»، «هولاكو» أعمال للمخرج الشاب ادريس طالب (24 عاماً)، اقتحم عالم المسرح سنة 2007، خلال دراسته إدارة الأعمال في غزة، تمكن من السفر إلى مصر ليلتحق بدورة مكثفة مدتها 3 شهور في الإخراج المسرحي من معهد المسرح العالي، كانت بمثابة نقلة نوعية في حياته الإخراجية. يقول «طالب»: «كنت متأثراً جداً بالمسرح وكان سبب ذلك المخرج رشيد أبو شرخ، وبعد ما توفي رشيد أكملت المسيرة كممثل، ومن ثم عملت شيئاً فشيئاً على صقل مهارتي لأبدأ رحلتي في الإخراج، واليوم المسرح بالنسبة إليّ هو كل شيء، النفس والهواء والضحكة والأمل ... كل تخيلاتي وطموحاتي وفكري وإحساسي محصورة في خشبة المسرح، المسرح بالنسبة لي حياة، هو المتنفس الوحيد في هذا السجن الكبير». ويستطرد: «مازلت أسعى للنهوض بالحركة المسرحية وصولأً لمستوى قادر على مواكبة الفن المسرحي العالمي، وسوف أقدم هذا العام عرضاً مسرحياً كوميدياً بعنوان «حبل غسيل».

المسرح حرية

حالة التراجع والقلة في النتاج المسرحي يعللها د. الأسمر (مؤلف كتاب «الحركة المسرحية في قطاع غزة») بكم من الأسباب، يذكر منها الإشكاليات المالية والإدارية، ومنع الاحتلال في كثير من الاحيان للنشاط التمثيلي، علاوة على غياب حالة التجانس أحياناً بين أفراد العمل واختلافهم أيديلوجياً أو ثقافياً، كما أن غياب المسرح الجامعي عرقل أيضاً من تطور هذا المشهد. في الإطار ذاته ترى الفنانة المسرحية «ياسين» أن ضعف الامكانات المادية من أهم الأسباب التي تقف عائقاً أمام المسرح، ومن ثم قلة المسارح المجهزة بشكل جيد، والأهم من ذلك عدم وجود جمهور متعطش يقدّر المسرح بالشكل اللائق، من يتابع المسرح قلة من النخبة المثقفة نوعاً ما، وتضيف: «ربما لو غاب المسرح فلن يشعر الجمهور بغيابه وهذه مشكلة كبيرة، لا بدّ من إعداد قاعدة جماهيرية تطلب المسرح وتتشوق إليه.

للمتفرجين، يبدو المسرح سهلاً جداً، ولكنه في الحقيقة فن معقد جداً، يتطلب جهداً، ووقتاً، وموهبة ـ ليس فقط في فلسطين بل في جميع أنحاء العالم ـ، المخرج، الممثلون، الموسيقيون، الكتاب، المصمّمون، التقنيون، والإداريون يحتاجون إلى العمل جميعاً، كل في تخصصه لإنتاج مسرحية. فإن كنا نرى 7 أشخاص على المسرح، فهنالك على الأقل 12 أشخاص غير متواجدين على المسرح، يقفون خلف الكواليس، بدونهم لا يمكن أن يتم العرض المسرحي.

أما في واقع ساخن كغزة، فيتم تجاوز كثير من تلك التعقيدات ليتحقق الهدف في عرض مسرحية، تعتمد على الموهبة، التلقائية، الذكاء وسرعة البديهة والعين المتفحّصة، والثقافة الى حد كبير، لتتجاوز أي عائق، والعوائق هنا كثيرة كما يستخلصها المخرج الشاب «طالب» من وحي تجربته حديثة العهد: «نظرة المجتمع سببت لي ولفريقي من الممثلين عائقاً كبيراً، مروراً بالانقسام الداخلي، والحصار الاسرائيلي، علاوة على عدم الإلمام بالثقافة الفنية، وعدم تقدير قيمة المسرح». يقول لـ «السفير»: «نحن نعيش في علبة كبريت، والفن لم يكُن إلا طائراً محلقاً، يعبر دائماً عن معنى الحرية، كيف سيكون المسرح حراً، وأنا لم أنجح في المشاركة بأي من المهرجانات المسرحية قط، مع العلم أنني ترشحت لأمثل فلسطين أكثر من مرة !!».

«كل شي تمام» ولكن..

منذ أن بدأ المسرح في القرن الخامس قبل الميلاد مروراً بالرومان، وصولاً إلى عصر النهضة أدى دوراً مؤثراً في خلق حالة ثقافية إبداعية، ناقش تحرير المرأة، والديمقراطية، وحقق انتصاراً في التنمية الثقافية ومقارعة العدو، أدى رسالة مهمة في مسيرة التعليم والثقافة والإعلام على حد سواء.

بدأ المسرح يظهر في قطاع غزة عام 1974، من خلال تشكيل الفرق المسرحية، التي تجمع محترفين وهواة، تعددت منذ ذلك العام حتى عام 2006، ليتجاوز عددها 25 فرقة مسرحية تمكنت من إنجاز 4 أعمال على الأكثر وبدأت معظمها تتلاشى، القليل منها بقي لليوم وقدم أعمالاً جيدة، ومع بداية التسعينيات قام عدد من المؤسسات بإنشاء فرق مسرحية قدمت المزيد من الأعمال؛ منها ما هو مدعوم دعماً اجنبياً ومنها ما دُعم محلياً ـ وهذه قليلة جدا ـ فلولا الدعم الأجنبي في تلك الفترة لما كان هناك حركة مسرحية، كما يشرح لـ «السفير» د. حسين الأسمر (الكاتب والناقد المسرحي، أخرج أعمالاً مسرحية في عدد من الدول العربية)، «هناك الكثير من الأعمال المسرحية الناجحة والمبدعة، حققت صدى في هذا الحقل الفني، استحضر منها «السيد بيرفكت»، و «كل شي تمام» للمخرج د.عاطف أبو سيف، ولعل آخرها مسرحية «المُصوِّر» بطولة الفنان علي أبو ياسين، بدأت عروضها منذ أسبوعين في عدد من دور العرض في غزة، منها مركز رشاد الشوا الثقافي، ومؤسسة سعيد المسحال، وجمعية الهلال الأحمر، لم تتسع مقاعد تلك الدور لعدد الراغبين في الحضور»، ويضيف «بتصوّري كانت من أفضل ما قُدم خلال السنوات الأخيرة في غزة، على نمط مونودراما، كتبت عنها العشرات من المقالات، استحقت هذا النجاح لقوة نصها، وموضوعها الذي تناول الذاكرة الجمعية للإنسان الفلسطيني منذ عام 1948، وحتى الآن، وقوة أداء ممثليها، ومخرجها د.أبو سيف، ومما أعطاها هذا النجاح حالة التعطش لدى كثيرين للفن الرفيع».

مجتمع الشباب في قطاع غزة فيه كوادر مسرحية، (تمثيلية وإخراجية) بارعة، وهذا شيء يدعو للفخر، لكن النقص المحلي يعتري النص فمحاولات كثيرة للكتابة لم تنضج بعد ولم تصل إلى الفهم الحقيقي لماهية الكتابة المسرحية. تقول «ياسين»: «قطاع غزة كالاسنفج قادر على امتصاص الكثير من الفنون، لأنه بحاجة أولاً للترفيه وبحاجة لتناول ومعالجة قضايا لا حصر لها، فالقطاع أرض خصبة لكُتّاب السيناريو». أما د. الأسمر (من واقع خبرته العملية والأكاديمية في الحقل المسرحي)، فيُوصي بأن يتحمّل الكل مسؤوليته، «ما نطمح له هو أن يتحقق الدعم لهذا الفن الراقي على مستوى رسمي، بقرار سياسي يعي أهمية ودور المسرح في المجتمع، يُذلل العقبات أمام هذا الإنتاج الثقافي، نحتاج لإنشاء معهد عالٍ يُدرّس الفن المسرحي، وعلى صعيد الجمهور هناك دور لا بدّ أن يحضر، فالشعب الذي يسعى للتوجه إلى المسرح ويدفع تذكرة يساهم في النهضة المسرحية».
عن "السفير" اللبنانية