لا جدال في أن "درهم وقاية هي خير من قنطار علاج"، وبالأخص فيما يتعلق بعلاج أمراض عضال أو مزمنة، تتصاعد في مجتمعنا الفلسطيني، ومن الأمثلة عليها أمراض القلب والسكري والبدانة وبالطبع أمراض السرطان المتنوعة، والتي أصبحت وخلال السنوات القليلة الماضية، المسبب الثاني للوفاة في بلادنا، أي بنسبة حوالي 14% من عدد الوفيات السنوية، سواء أكان ذلك في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، حيث إنه وبالإضافة إلى العوامل الجينية أو الوراثية التي يمكن أن تساعد أو تحفز النمو غير الطبيعي للخلايا وبالتالي بداية تشكل الورم السرطاني، فإنه على ما يبدو أن هناك ممارسات حياتية وظروفاً بيئية وأنظمة غذائية يمكننا التحكم بها أو منعها أو الحد منها وبالتالي الحد من الإصابة بالسرطان. ومن الأسئلة البديهية التي يسألها الناس، حين قراءة أو سماع المعطيات عن انتشار أمراض السرطان عندنا، هي: ما هي الأسباب؟ ولماذا الآن؟ أي ليس لماذا لم يكن ذلك قبل عشرة أو عشرين عاماً. هل هناك عوامل بيئية أو مسببات تتعلق بالغذاء أو بطبيعة الحياة والعمل، وفي أية مناطق ينتشر السرطان؟ وما هي أنواعه؟ ومن هي الفئات من الناس الأكثر إصابة به، وإلى غير ذلك من الأسئلة، التي من المفترض أن يتم الإجابة عنها، من خلال أبحاث علمية موضوعية تنبع من الواقع عندنا، وبالتالي وضع المقومات أو العوامل لمنع الإصابة بأمراض السرطان، أو للحد منها أو للتعامل معها، وذلك بالتوازي مع توفير الرعاية والعلاج والأدوية لأمراض السرطان المنتشرة. ونحن نعرف أن الرئيس محمود عباس كان قد وضع قبل عدة أسابيع أو أشهر، الحجر الأساس لمركز متخصص لعلاج مرضى السرطان، وبدون شك أن هذه المبادرة تعتبر عملاً هاماً وضرورياً على الصعيد الوطني، لأن الجميع يعرف أن نسبة الإصابة بمرض السرطان تزداد سنوياً، وأن تكاليف التحويلات وثمن أدوية مرضى السرطان تحتل جزءاً كبيراً من ميزانية وزارة الصحة الفلسطينية، يزيد على 100 مليون دولار أميركي. ولكن ومع البدء في إنشاء هذا المركز، فإن الأهم بأن يكون جزء أساس من عمل المركز هو البحث عن الأسباب الحقيقية لانتشار مرض السرطان عندنا، أي إجراء الأبحاث التي تحدد الأسباب، وبالتالي توفير الإجراءات للحد من هذه الأسباب، أي التركيز على مبدأ الوقاية من المرض، وليس فقط علاجه والتعامل مع آثاره. ولا يجادل أحد في أن مرض السرطان ينتشر بشكل غير طبيعي في بلادنا، فحسب أحد التقارير، فإنه يتم اكتشاف حوالي 75 حالة سرطان في قطاع غزة فقط شهرياً، أي بمعدل 2.5 حالة يومياً، وهذه أرقام تثير القلق والإرباك، حسب المعايير الصحية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. والوضع في الضفة الغربية لا يختلف كثيراً عن الوضع في قطاع غزة، حيث أصبحت أمراض السرطان المختلفة تشكل المسبب الثاني للوفاة خلال السنوات القليلة الماضية، وهذه النسبة تتصاعد كل عام، حيث ارتفعت حوالى 40% بين عامي 2010 و2014، وهذا يشمل كل المحافظات الفلسطينية من الشمال إلى الجنوب، حسب تقارير وزارة الصحة التي يتم نشرها سنوياً. ومن الواضح أن هناك عوامل بيئية خارجية تدخل أو تداخلت على النظام البيئي الفلسطيني، قد تكون ساهمت وتساهم في هذا الازدياد، سواء أكانت هذه العوامل ملوثات كيميائية أو غيرها، وسواء جاءت نتيجة الاستخدام الزراعي لمبيدات وأسمدة ومواد بلاستيكية وهرمونية وغيرها، أونتيجة الاستخدام الصناعي المتزايد لمواد كيميائية، أو ربما بفعل عوامل أخرى، منها الحروب الثلاث الأخيرة على قطاع غزة، وما نتج عنها من استخدام من الآلاف من أطنان المواد الكيميائية بأنواعها المختلفة، والتي جزء منها ما زال يرزح ويتنقل في البيئة الفلسطينية، ومتبقيات الحروب على غزة، أو الملوثات الكيميائية المختلفة، التي خلفتها الحروب المتكررة على قطاع غزة، ومن ضمنها احتمال استخدام اليورانيوم المُنضب خلال الحرب الأخيرة على غزة، وما لذلك من عواقب صحية وبيئية قد تكون بعيدة المدى، وللعلم فإن استخدام اليورانيوم المُنضب قد تم الإشارة إليه سابقاً وخاصة خلال الحروب في العراق وحرب الخليج الأولى، أو في الحرب في كوسوفو، وقد جرت دراسات وأبحاث من أجل تبيان مدى بقائه في البيئة وآثاره على الإنسان، وبالأخص الآثار بعيدة المدى، التي من الممكن أن تنعكس على شكل أمراض مزمنة، ومن أهمها أمراض السرطان. وبالإضافة إلى الأحداث أو العوامل الخارجية والتي ربما ساهمت في انتشار أمراض السرطان في بلادنا، فإن هناك ازدياداً في ممارسات حياتية وفي اتباع أنماط غذائية غير صحية في بلادنا، من حيث استهلاك المواد المصنعة أو المجمدة وما تحويه من مضافات كيميائية متعددة، أو الأطعمة السريعة، وما يمكن أن تحوي من مواد تحفز بشكل أو بآخر الأورام السرطانية. ومن الأسباب الأخرى ربما ازدياد التدخين، حيث إن التدخين كنمط غير صحي من أنماط الحياة، له علاقة مباشرة بالأمراض غير السارية وخاصة أمراض القلب والسرطان وأمراض الجهاز التنفسي. وفي بلادنا وبحسب أرقام أوردها جهاز الإحصاء الفلسطيني قبل فترة، فإن أعداد المدخنين الفلسطينيين في العام 2010، على سبيل المثال، كانت حوالي 22% من تعداد السكان ممن هم في سن 18 سنة وما فوق، وتشير بعض التقارير إلى أن إنفاق الفلسطينيين على التدخين يصل إلى حوالي 180 مليون دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى أكثر من 100 مليون دولار أخرى، هي حجم التكاليف التي تدفع جراء معالجة الأمراض المرتبطة بالتدخين، وهناك دراسات عديدة في العالم ربطت وبشكل مباشر بين التدخين والإصابة بسرطان الرئة. ومعروف أن البيئة المحيطة بنا، من هواء ومياه وأغذية، أو أرض وحيز قد تتلوث، حيث يمكن أن يتعرض الإنسان أو المزارع الفلسطيني لكميات قليلة من المبيدات الكيميائية مثلاً خلال الرش، أو في منتجات غذائية أو في المياه، أو التعرض لكميات قليلة من الرصاص في الهواء مثلاً، أو تعرض العمال إلى عناصر الزئبق أو الكادميوم خلال العمل في المصانع، أو تعرض عمال البتروكيماويات إلى البنزين الذي يعتبر مادة مسرطنة، ودون آثار لحظية ملموسة، ولكن وبعد فترة زمنية طويلة تظهر آثار ذلك على شكل أمراض مثل السرطان وما إلى ذلك. وهناك دراسات عديدة تمت في بلدان مختلفة في العالم، ربطت بين التلوث الكيميائي في منطقة ما وبين ازدياد نسبة الإصابة بالأمراض المزمنة. وفي ظل الحديث عن البدء العملي لإنشاء مركز لعلاج السرطان، فإن التركيز على مبدأ الوقاية، أي البحث عن الأسباب الحقيقية لانتشار أمراض السرطان في بلادنا، وبالتحديد تحديد الظروف أو الممارسات في المناطق التي يتم تسجيل فيها نسب مرتفعة من السرطان، سواء أكانت ممارسات زراعية أو استخدام مكثف للمبيدات في بعض المحافظات، أو انتشار النشاط الصناعي والكسارات والمحاجر في بعض المناطق، أو ممارسات حرق مئات الأطنان من النفايات الإلكترونية والبطاريات التي يتم إحضارها من الجانب الإسرائيلي، وبالتالي استخلاص متبقياتها من أسلاك نحاسية وغيرها، كما يتم في بعض قرى محافظة الخليل، أو التعامل مع متبقيات الحروب على غزة، حيث إن البحث عن الأسباب الحقيقية هو الأساس للبدء ببرنامج وطني من أجل التعامل مع مسببات السرطان وبالتالي الحد من آفة باتت تنتشر وبشكل كبير، وربما تصل خلال فترة قريبة إلى أن تكون المسبب الأول للوفاة في بلادنا.
بين مركز علاج السرطان والبحث عن أسباب انتشاره
تاريخ النشر : 2016-03-12 11:26
