اشتعلت جبهة جديدة للإرهاب في مدينة بن قردان التونسية مع إنطلاق آذان فجر السابع من مارس، عندما هاجم عشرات المسلحين ثكنة عسكرية، ومركز للشرطة، تمهيدا للسيطرة على المدينة.
ورغم تعرض تونس لعدة هجمات إرهابية مؤخرا، إلا أنها المرة الأولى التي حاول فيها الإرهابيون الاستيلاء على مدينة والبقاء فيها لتكون نواة إمارة مستقلة، تبدأ في التوسع إلى باقي تونس وحتى الدول المجاورة، حتى أن الجيش الجزائري أعلن حالة الطوارئ القصوى، خشية امتداد المعارك إلى أراضيه، بينما ليبيا تئن من سيطرة الجماعات المسلحة على مساحات شاسعة من دولة تفككت وسط تواطؤ دولي مريب، يرفض تسليح جيشها الوطني، ويضع شروطا لتشكيل حكومة بمشاركة الإخوان والجماعات السلفية المسلحة، بدعوى الوحدة الوطنية.
هجوم تونس يقرع أجراس الخطر لتنبيه جميع جيران ليبيا بأن الحشود المتزايدة للجماعات المسلحة في ليبيا عازمة على التوسع، وفتح أوسع الجبهات، في وقت تم فيه رصد تحركات لهذه الجماعات قرب الحدود المصرية.
العائدون من سوريا أحد الروافد المهمة لتغذي الإرهاب في ليبيا ومصر وتونس، والتي احتلت الدول التي احتلت المراتب الأولى مع السعودية في أعداد المشاركين في الحرب على سوريا، وسافر معظمهم أثناء حكم جماعة الإخوان لكل من مصر وتونس، والانهيار المتزامن للدولة الليبية، والتي أغرقها الناتو بملايين قطع السلاح من جميع الأنواع، إلى جانب نهب معسكرات ومخاز اسلحة الجيش الليبي، وهو ما يكفي لتسليح جيوش من الإرهابيين.
تزامنت التحركات الكثيفة للجماعات المسلحة في ليبيا مع بدء الهدنة في سوريا، وكأن التحالف الأمريكي يعيد نشر قواته، بعد أن تبين صعوبة كسب الحرب في كل من سوريا والعراق، وأن التكلفة باهظة بعد تدخل كل من روسيا وإيران، وربما يمكن تعويض ما خسره على الساحة الليبية وامتداداتها في كل من تونس ومصر والجزائر والصحراء الأفريقية.
التشابه كبير بين الأوضاع في كل من مصر وتونس، فالإرهاب بدأ ضرباته بالسياحة وقوات الأمن، لإنهاك الإقتصاد وإضعاف سلطة الدولة، ليتمكن من اختراقها، لكن تونس ظنت أنها باستيعاب جماعة الإخوان الممثلة بحزب النهضة قادرة على احتواء الإرهاب، مقابل الشراكة الإخوانية، ويبدو أن هذا المنحى لم يحقق الأمن الذي كانت تنشده، وأطلقت نفير الحرب ضد الجماعات السلفية المسلحة.
لا يبدو أن مصر محصنة من التعرض لهجمات مماثلة، وإن كانت الصحراء المكشوفة الفاصة بين مصر وليبيا تتيح رصد أي تحركات للمسلحين، لكن الدروب الوعرة في الليالي الحالكة يمكن أن تستغلها جماعات تدربت جيدا على حروب الصحراء، ويمتد نفوذها من مالي والنيجر ونيجيريا إلى صحراء الجزائر والمغرب، إلى جانب أن الجماعات السلفية في مصر تمارس أنشطتها "السلمية" بشكل واسع، ولها نفوذ واضح في محافظات بني سويف والفيوم والمنيا والجيزة وحتى شمال القاهرة، والشواهد كثير على استمرار بل نمو نشاط هذه الجماعات التي سرعان وا تتحول إلى حاضنة للجماعات المسلحة.
نيران معركة بن قردان في تونس ليست بعيدة عن ملابسنا، وقبلها المعارك الدائرة في بنغازي شرق ليبيا، ويأتي التلويح بتدخل عسكري أمريكي وأوروبي في ليبيا ليزيد من المخاوف، فما من بلد دخلوه إلا وازدادت النيران فيه اشتعالا.
الصورة ليست شديدة القتامة، فالإرهاب يمكن كسر شوكته، وهو يخسر كل يوم بعض مواقعه في كل من سوريا والعراق، لكن هزيمته المؤكدة لا يمكن أن تتم إلا بسياسات واضحة تجفف منابع الإرهاب، وتفتح باب الأمل في إصلاحات جذرية على صعيد المشاركة الشعبية والسياسات الإقتصادية، ووضع حد للفساد المستشري في أجهزة الدولة، وإعلاء قيمة دولة القانون والمواطنة، إلى جانب تشكيل تحالف إقليمي يضم تونس والجزائر والقوى الوطنية الليبية التي تحارب الإرهاب، ومد يد العون لها، ورفض أي تدخل خارجي.
