كان المحاور الضيف على شاشة فضائية يتحدث بانفعال واضح في صوته وفي مفرداته وهو يدين ما أسماه احتلالا روسيا لسوريا، ويدعو العرب والمسلمين لمقاومة هذا الاحتلال وتحرير سوريا من الغزو السلافي، وحماية أهلها من بطش الطيران الروسي وبراميل النظام المتفجرة.
لم يدافع المحاور الإخواني عن داعش وجبهة النصرة لكنه لم يتطرق إلى جرائمهما بحق الشعب السوري، ولم يتطرق إلى العبث الأمريكي والإسرائيلي والتركي والعربي في سوريا، واكتفى باختصار المأساة السورية في “الاحتلال الروسي”.
في المقابل كانت المداخلة التي قدمها محلل سوري من دمشق تركز على الإرهاب الداعشي والقاعدي ودور التحالف الداعم للإرهابيين والأجندات التخريبية للولايات المتحدة وإسرائيل وبعض اليمين العربي، ولم يشر إطلاقا إلى الدور الإيراني والجرائم التي يرتكبها ضباط وجنود الحرس الثوري وفيلق القدس والمتطوعون من الميليشيات الطائفية العراقية.
رغم خروج الحوار عن اللياقة ولجوء المتحاورين إلى الزعيق والاتهام وحتى تبادل الشتائم، نجح البرنامج في تقديم صورة شاملة لما يجري في سوريا باعتبارها ساحة مفتوحة لكل الأطراف التي تريد تسديد فواتيرها وتصفية حساباتها بأرواح السوريين.. دفاعا عن الحرية!
لكن سوريا المحروقة بقدائف الغرباء وصواريخهم وأجنداتهم لا تتفرد بهذا العار العربي بين شقيقاتها، فقد تحولت معظم دول المنطقة إلى ساحات مفتوحة للخراب في زمن الفوضى الأمريكية وربيع اليمين الديني بسنته وشيعته في بلاد العرب.
لا فرق الآن بين سوريا والعراق إلا في كثافة النار ومساحة الخراب، ولا فرق بين سوريا وليبيا إلا في اختلاف الهويات الطائفية للمتقاتلين، ولا فرق بين سوريا وأي دولة عربية أخرى إلا في شكل ووسائل تنفيذ الأجندات الخارجية التخريبية التي تحملها الصواريخ في سوريا وتجسدها سياسات التبعية في الدول الأخرى. ولعل من كان يزعم في الماضي باستقلال الكيانات السياسية العربية يكتشف الآن كم هو وهمي هذا الاستقلال الصوري حين يعجز النظام العربي عن الخروج عن النص الأمريكي، ليس في إعلان الحرب على إسرائيل لا سمح الله، ولا في الضغط على الغرب بحرمانه من النفط لا قدر الله، ولكن على الأقل في زراعة القمح في أرض العرب.
أنظمة مترهلة ومثقلة بالتخلف والولاءات المشبوهة والقمع المتأصل، وفصائل “جهادية” محقونة بالحقد وبالحنين إلى الجاهلية الأولى وبالقناعات التي تتقاطع مع التلمود هي التي تتصارع الآن في بلادنا، وتلوث ترابنا وماءنا وسماءنا في مرحلة غير مسبوقة من العهر التاريخي. ولا مكان للانسان العربي في هذه الحروب المجنونة ولا قيمة له الا باعتباره قربانا أو ضحية جاهزة للذبح.
رغم ذلك يخرج مهرجو الأنظمة على الناس بالتهديد والوعيد لمن تسول له نفسه المس بالوحدة الوطنية والمساس بالقرار العربي المستقل والتشكيك في تراث الأمة وإرثها الحضاري!
ورغم ذلك، يحافظ النظام الرسمي العربي على قدسية العمل المشترك من خلال جامعة الدول، ويتنافس المتنافسون على أمانتها العامة وكأنها تعبر فعلا عن شيء ذي قيمة.
ما يجري في بلادنا الآن وربما لعقود سوداء قادمة يؤسس لمرحلة نأمل ألا تكون بعيدة جدا، يتم فيها إعادة النظر في الهوية العربية وإعادة صياغتها وتشكيلها بعيدا عن أكاذيب التاريخ المجيد وعن هذيان التقوى على الطريقة الأمريكية.
سيجيء هذا الوقت.. لا بد أن يجيء. ولا بد أن يكون لنا، ذات يوم، وطن.
