غزة –خاص نوى- ميرفت أبو جامع:
تعيش أمل أبو سبيتان، من وسط قطاع غزة، الخوف والقلق من أن تفقد علاقتها بأولادها، ويحرمها طليقها منهم، بعد أن أصبحوا شبابًا تعتّد بهم، تقول" أنا متعبة من القوانين في غزة.." النصوص واضحة ولكن التطبيق غير منفذ، من غير العدل أن ينفذ في الضفة الغربية ويعطل في غزة". طليقي يهددني بالقانون أن يأخذ أولادي في أي وقت، والقانون معه".
تضيف" ابنتي البكر، أخذها في سن صغيرة، وعقد قرآنها دون علمي، الآن لدي ولد وبنت في الجامعة، أتكفل بمصاريفهم جميعها، أما هو ينتظر أن انهي مهمة تعليمها حتى يأخذها مني".
أمل، 50 عامًا، شاركت الاثنين 7-3 في فعالية الثامن من آذار التي دعا إليها الاتحاد العام للمرأة والمراكز النسوية،( sit in) أمام مقر الصليب الأحمر الدولي في مدينة غزة.
تقف أمل بخجلٍ شديد، وبوجه شاحب، تقول" لم يعد لديّ الحماس والدافعية للمشاركة، في الفعاليات، على عكس الأعوام الماضية، الأوضاع النفسية والاقتصادية سيئة جدا هناك تراجع كبير على صعيد أوضاع النساء، وكل شيء هنا".
شكل الفعاليات بعناوينها المتكررة ذاتها، لم تتغير، والنساء هُنّ النساء، يذهب آذار ويأتي آخر كل عام، لا يحمل معه إلا الوجع والتراجع لواقع النساء، وهو ما أكدته نساء التقتهن نوى على هامش الفعالية.
تقول زينب الغنيمي، مديرة مركز الابحاث والاستشارات القانونية للمرأة، لم يتغير شيء من العام الماضي على مستوى واقع المرأة في قطاع غزة القوانين معطلة بسبب الانقسام، وهناك تجاهل السلطة الوطنية الفلسطينية لوضعية النساء في قطاع غزة، وهذا ما برز في تقريرها لـ" لسيداو"، اتفاقية التمييز ضد المرأة، الذي لم يشمل أوضاع النساء، وكل مشكلاتها العالقة.
تضيف الغنيمي" آذار هو مناسبة لكي نستذكر أننا نعمل سويًا، ونستمر في النضال، ومحاولة انتزاع حقوقنا العادلة، والضغط لتحقيق قوانين تضمن المساواة والعدالة الاجتماعية، مشيرةً أن الانقسام أثر على انجازات النساء، وسجل أوضاع صعبة على النساء، وانه لا يوجد انجازات، بل تراجع كبير، وعبث بحقوق النساء، وتذكر أبرزها التعميمات القضائية التي صدرت أخيرًا في غزة، فيها انتقاص من حقوق المرأة على المستوى العائلي، وإنصاف أكبر للرجل على حساب النساء.
وتقول القيادية هدى عليان أن هناك تراجع في كل قضايا وحقوق النساء، من الحصار والاحتلال، و ظلم المجتمع وازدياد العنف ضد المرأة، نأمل أن تنتهي هذه الحقبة من الانقسام، ونعود للمطالبة بقوانين منصفة للنساء.
تكريمًا للنساء اللواتي ضحيّن، وتحملن تبعات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي والفلسطيني والفلسطيني، قامت حكومة التوافق الفلسطينية بإلغاء عطلة يوم الثامن من آذار الموافق اليوم الثلاثاء، واعتباره يوم دوام عادي، وهو في تقويم الفلسطينيين السنوي أُقر كعطلة رسمية منذ سنوات، إلا أن النساء على مستوى هذا اليوم لم يناضلن من أجل حقهن في عطلة، وهو جزء من حالة الإحباط والتراجع التي يعشنّها ويعيشها الشعب الفلسطيني بسبب قيادته.
ففي بيان صدر أمس 7-3 عن طاقم شؤون المرأة، أي بعد يوم على قرار الحكومة، قال فيه" أن الطاقم ينظر بقلق إلى هذا القرار، الذي يعد سابقة خطيرة ومرفوضة، تؤشر بوضوح لرؤية الحكومة لنا كنساء وكمجتمع وقد تفتح الباب لسحبِ حقوق أخرى". مطالبةً الحكومة بالتراجع عنه.
وتقول الغنيمي أننا نرفض قرار الحكومة بإلغاء العطلة، معتبرتها واحدة من الخطوات التراجعية التي تمارسها السلطة الوطنية ضد النساء".
والأخطر، في بداية آذار شهر النساء، صدر أيضًا تعميم قضائي تمييزي عن المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة يحق للزوج المعنّف أن يطلّق زوجته إذا أثبت تعنيفها له، دون أي تبعات مالية.
هذا التعميم سبقه، صدور قرار بمنع "تدريب النساء على السياقة إلا بوجود محرّم".
الأمرُ من ذلك، خلال العام 2015، قتلت (14) امرأة فلسطينية بينهن طفلة متزوجة، منهن (3) نساء قتلن على خلفية ما يسمى بـ"شرف العائلة"، كما أصيبت (62) سيدة كلها في أحداث عنف مجتمعي في أنحاء مختلفة من فلسطين. وذلك بحسب آخر إحصاءات مركز الميزان لحقوق الإنسان، ومنذ مطلع العام الحالي قتلت امرأة على يد ابنتها في خان يونس.
على صعيد الفقر والبطالة فان النسب تشير إلى أن النساء يتصدرن قوائم الفقر والبطالة والعاطلين عن العمل. في إحصائية صدرت عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فان ما يزال التفاوت كبيراً في معدل البطالة بين الجنسين، تبلغ نسبتها بين الإناث 39.2%، مقابل 22.5% للذكور خلال عام 2015.
ولا تزال الفجوة الرقمية كبيرة بين المرأة والرجل في مجال استخدام الانترنت ومواقع الإعلام الاجتماعي، فنحو 43% من الإناث يستخدمن الفيسبوك، مقابل 57% من الذكور يستخدمونه. (تقرير وسائل الإعلام الاجتماعي في فلسطين 2015، أستوديو سوشال).
إعلاميًا خبر استدراج امرأة لزوجها وقتله في محافظة خان يونس، يأخذ حيزا كبيرًا في التغطية الإعلامية، وتناقله عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإظهار تعاطف كبير، مع المقتول "الرجل"، بينما خبر مقتل سيدة أو( 13 ) خلال العام لم يثير أحدًا بذات القدر، بل يلصقونه بدواعي "الشرف" عادةً، ويخجلون من الحديث فيه.
في الوقت الذي تغيب وتُغيّب فيه النساء عن شاشات الفضائيات، كمتخصصات في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والفن والثقافة والمال، فإنهن يتصدّرن وسائل الإعلام المحلية وصفحات الفيسبوك كشاكيات وباكيات، من سوء الحال ويتصدرن طابور الكوبونات وطلب المساعدات الذي لا يليق بكرامة الرجل،( وهي الصورة التي يكرسها الاعلام المحلي من سنوات طويلة) أو بصور" ركوب دراجات هوائية، كحدثٍ خارق، بينما لا تأخذ أخبار معاناتهن أو قتلهن، الحيز الكبير.
بالمقابل ابتعدت المرأة عن الفعل السياسي، وبات حضورها قليل جدا، التغت وقفة الثلاثاء لإنهاء الانقسام من قاموس النساء كما أن موقفهن من قضايا كثيرة كقتل النساء لا يتعدى بيانا صحفيا وأحيانا تمر على الحادثة أسبوع ولا يتذكرها احد، فضلًا عن تغييبها عن مناقشة الموازنة العامة، ولجان وحوارات المصالحة.
أبو سبيتان لا تعول كثيرًا على النساء ولا المؤسسات في الوقوف إلى جانب أمومتها، في حال قرر طليقها أن يخطف من حضنها أبنائها، وهذا وارد جدًا، وهي التي نذرت عمرها في التفرغ لتربيتهم، وسبق أن انتزع ابنتها الكبرى، ومنعها من الاتصال والتواصل معها. تقول" ذهبت إلى القاضي اطلب رفع دعوى بأن يُخيّر أبنائي العيش معي أو مع والدهم، حتى يهدأ بالي، إلا انه رفض وقال لي " تعبيش حالك، هذا ما في منه".
كل ذلك لا ينفي أن هناك نساء فريدات، نعتز بانجازاتهن على صعيد الحقوق والحريات، وأخريات قدّمن نموذجا مشرفًا للمرأة الفلسطينية، منهن 16 شهيدة رحلن منذ شهر أكتوبر 2015، قتلهن الاحتلال الإسرائيلي، بينما تقبع 62 أسيرة في السجون الإسرائيلية مع الآف الأسرى الفلسطينيين المطالبين بالحرية، بينهن طفلات وأمهات وجريحات.
ولا ننسى النائبة عن المجلس التشريعي خالدة جرار المعتقلة في السجون الإسرائيلية، والنائبة نجاة أبو بكر المعتصمة في مقر المجلس التشريعي برام الله، بسبب دفاعها عن حقها في التعبير عن رأيها ضد الفساد، والإعلامية فيحاء شلش التي شكلت جيشًا من المتضامين من اجل دعم حرية زوجها محمد القيق خلال إضرابه عن الطعام في السجون الإسرائيلية أكثر من 92 يومًا، والإعلامية بثينة شتيوي التي دافعت عن شقيقها الذي أعدمته كتائب القسام. حتى هؤلاء ناضلن على المستوى الفردي، دون أن تدعمهن بشكل أكبر النساء، كل النساء.
كل عام وكل النساء الطيبات، الكادحات، الوحيدات، الأسيرات، المعلمات، الإعلاميات، الصحفيات، كل النساء بألف خير.
